استراتيجية “صنع في أوروبا”.. هل تضيق الخناق على سلاسل الإنتاج في المغرب
أعربت مجموعات "رونو" (Renault) و"ستيلانتيس" (Stellantis) و"فولكس فاجن" (Volkswagen) عن موقف مشترك وجهته إلى أعضاء البرلمان الأوروبي، تدعم فيه مبدأ اعتماد نسبة 70% كمحتوى أوروبي للسيارات الكهربائية، مع المطالبة بحصر الأنشطة التي يتم احتسابها كأوروبية في تلك المنجزة داخل الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية فقط، وهو ما يضع المغرب خارج هذا النطاق الجغرافي، مع إمكانية استمراره في لعب دور ضمن سلاسل الإنتاج عبر هامش الـ30% المخصص للدول غير الأعضاء.
وتأتي هذه الخطوة من قبل المجموعات الثلاث، التي تمثل أكثر من 60% من الإنتاج الأوروبي للسيارات، في إطار التفاعل مع مقترح "قانون تسريع الصناعة" (Industrial Accelerator Act) الذي قدمته المفوضية الأوروبية في 4 مارس 2026، حيث يطالب المصنعون بتعديلات تضمن الحفاظ على مكانة الدول الشريكة في منظومتهم الإنتاجية.
معايير "صنع في أوروبا" وتحدي القيمة الإجمالية
وفقاً للمعطيات المتاحة، فإن تصنيف "صنع في أوروبا" (Made in EU) يحدد المعايير التي تتيح للسيارات الاستفادة من مزايا أوروبية أو وطنية معينة، علماً أن عدم استيفاء هذه المعايير لا يمنع استيراد أو بيع المركبات داخل الاتحاد الأوروبي، بل يحرمها فقط من الامتيازات التنافسية المخصصة للمنتجات الأوروبية.
وفي الوقت الذي تقترح فيه المفوضية الأوروبية أن يكون ما لا يقل عن 70% من قيمة المكونات (باستثناء البطارية) ذا منشأ أوروبي، وهو التوجه الذي يدعمه مصنعو الأجزاء والمعدات، ترفض مجموعات "رونو" و"ستيلانتيس" و"فولكس فاجن" هذه المقاربة، وتطالب باحتساب نسبة الـ70% بناءً على القيمة الإجمالية للمركبة، بما يشمل عمليات التجميع، والهندسة، والبحث والتطوير، واليد العاملة المؤهلة المنجزة داخل أوروبا.
وعلى سبيل المثال، إذا بلغت القيمة الاقتصادية الإجمالية لسيارة ما 30 ألف يورو، فإن المقاربة التي يدافع عنها المصنعون تقتضي أن يكون ما لا يقل عن 21 ألف يورو (70%) من هذه القيمة ناتجاً عن أنشطة داخل الاتحاد الأوروبي أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية، بينما يمكن أن تأتي الـ9 آلاف يورو المتبقية (30%) من المغرب أو دول أخرى، وهو ما يمنح مرونة أكبر مقارنة بمقترح مصنعي المعدات.
مرونة في تدبير الأساطيل الكهربائية
طالب المصنعون الثلاثة أيضاً بتعديل آخر يتعلق بالمعايير المفروضة على أساطيلهم، حيث ينص مقترح المفوضية الحالي على ضرورة استيفاء 85% من مركبات كل مصنع لمعايير "صنع في أوروبا" للاستفادة من المزايا المتاحة. وفي المقابل، تدعو المجموعات الثلاث إلى خفض هذه العتبة من 85% إلى 70%، ما يعني أنه من بين كل 100 مركبة مسجلة، يكفي أن تستوفي 70 مركبة المعايير، بينما يمكن للـ30 مركبة المتبقية ألا تلتزم بها بشكل فردي مع استمرار استفادة الأسطول كاملاً من الامتيازات.
وبالنسبة للمغرب، فإن الأثر المباشر لهذه التوجهات قد يظل محدوداً في الوقت الراهن، بالنظر إلى أن الإنتاج المحلي من السيارات الكهربائية الكلاسيكية الموجهة للتسويق الواسع ما يزال في بداياته، حيث يتركز الإنتاج الحالي بشكل أساسي على نماذج التنقل الدقيق (micromobility).
آفاق الإنتاج المغربي في ظل التحول الكهربائي
تشير القراءات المهنية إلى أن موقف مجموعتي "رونو" و"ستيلانتيس" لا يتعارض بالضرورة مع مصالحهما في المملكة، رغم توفرهما على مصانع كبرى وشبكة واسعة من الموردين وقدرات تصديرية مهمة. فالمعايير الجديدة تهم حصرياً السيارات الكهربائية، ولا تشمل السيارات ذات المحركات الحرارية العادية أو السيارات الهجينة غير القابلة للشحن (non-rechargeable hybrids).
وفي هذا السياق، يظل جزء كبير من إنتاج "رونو" الحالي في المغرب مرتبطاً بالمركبات الحرارية، كما أن طراز "داتشيا جوغر" (Dacia Jogger) الهجين المنتج في طنجة هو نموذج غير قابل للشحن، وبالتالي لا يدخل مباشرة ضمن النطاق الرئيسي لهذا النظام المقترح.
وفي حال قبول مطالب المصنعين بخفض عتبة الامتثال إلى 70% من الأسطول، فإن ذلك سيسمح للمجموعات بالحفاظ على جزء من إنتاجها الكهربائي في المغرب وتصديره نحو السوق الأوروبية ضمن هامش الـ30% من المركبات غير المستوفية للمعايير، دون فقدان المزايا الممنوحة لإجمالي أساطيلها، وهي إمكانية تظل رهينة بحجم الإنتاج المستقبلي في المملكة وحصته من المبيعات الأوروبية لكل مجموعة، وكذا بالصيغة النهائية للنص التشريعي.



