
هل يهدد مصنع “غوتيون” المغربي تنافسية قطاع السيارات في إسبانيا؟
يرسخ المغرب مكانته كمنصة صناعية استراتيجية في قطاع بطاريات السيارات الكهربائية، مع دخول مشروع "غوتيون هاي تيك" (Gotion High-Tech) بمدينة القنيطرة مرحلة الاختبارات التشغيلية. وتأتي هذه الخطوة لتعزز تموقع المملكة ضمن سلاسل القيمة العالمية، مما يمنحها موقعاً متقدماً في سوق البطاريات على المستويين الإفريقي والمتوسطي، في وقت تتابع فيه الأوساط الصناعية في الجارة إسبانيا هذا التطور باهتمام وقلق متزايدين.
ويُصنف هذا المشروع كأول مصنع ضخم (Gigafactory) لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في منطقة إفريقيا والشرق الأوسط، ما يكرس انتقال الصناعة الوطنية من مرحلة تجميع السيارات إلى فاعل صناعي مباشر في إنتاج البطاريات عالية السعة، التي تعد الحلقة الأغلى والأكثر أهمية في صناعة السيارات الحديثة.
تفاصيل الاستثمار والقدرة الإنتاجية
تطلبت المرحلة الأولى من مشروع "غوتيون هاي تيك" استثمارات ناهزت 1.2 مليار يورو، حيث جرى تصميم المصنع بطاقة إنتاجية أولية تصل إلى 20 جيغاواط/ساعة سنوياً، وهي قدرة تتيح تزويد مئات الآلاف من المركبات الكهربائية بالبطاريات كل عام.
وتطمح خطط التوسع المستقبلية للمجموعة الصينية في المغرب إلى رفع القدرة الإنتاجية تدريجياً لتصل إلى 100 جيغاواط/ساعة، وهو ما قد يرفع إجمالي الاستثمارات المرصودة للمشروع إلى أزيد من 5.6 مليارات يورو. ومن المتوقع أن يساهم هذا النشاط الصناعي في إحداث ما يقارب 17 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.
ويستفيد المشروع من الموقع الاستراتيجي لمدينة القنيطرة، التي تحتضن منظومة صناعية متكاملة تضم كبار المصنعين مثل مجموعة "ستيلانتيس" (Stellantis)، فضلاً عن قربها من الموانئ الكبرى وشبكات النقل الموجهة نحو الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية منها.
آفاق التصدير والجاذبية الاستثمارية
من المرتقب توجيه نحو 85% من البطاريات المنتجة داخل مصنع القنيطرة نحو أسواق الاتحاد الأوروبي، الذي يستعد لتطبيق قواعد صارمة للانتقال نحو السيارات عديمة الانبعاثات بحلول سنة 2035. ويمنح هذا التوجه المغرب فرصة استراتيجية لتعزيز حضوره داخل سوق الطاقة والتنقل الكهربائي في القارة العجوز.
وتراهن المملكة في جذب هذه الاستثمارات النوعية على مجموعة من العوامل التنافسية، في مقدمتها اتفاقيات التبادل الحر التي تجمعها بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وتوفر مصادر الطاقة المتجددة بتكلفة تنافسية، بالإضافة إلى الحوافز الضريبية والمالية الموجهة لدعم المشاريع الاستثمارية الكبرى.
المنافسة الإقليمية والمخاوف الإسبانية
في مقابل هذا التسارع المغربي، تبرز تقارير متخصصة وجود مخاوف لدى الفاعلين الصناعيين في إسبانيا من فقدان جزء من التنافسية في قطاع السيارات الكهربائية، خاصة وأن عدداً من مشاريع مصانع البطاريات الكبرى فوق الأراضي الإسبانية لم تدخل بعد مرحلة الإنتاج الفعلي.
وفي هذا الصدد، فإن مصنع "ساغونتو" بمدينة فالنسيا، المدعوم من مجموعة "فولكسفاغن" باستثمارات تصل إلى 3 مليارات يورو، لا يُتوقع أن يبدأ إنتاجه قبل السنة المقبلة وبطاقة أولية تبلغ 10 جيغاواط/ساعة فقط. كما يُنتظر أن يبدأ مصنع "فيغيرويلاس" بمدينة سرقسطة، الذي تطوره شركة مشتركة بين "ستيلانتيس" ومجموعة "سي إيه تي إل" (CATL) الصينية باستثمارات تناهز 4.1 مليارات يورو، إنتاج بطاريات "فوسفات الحديد والليثيوم" مع نهاية السنة الجارية.
ويعكس هذا السباق الصناعي المحموم التحولات العميقة التي تشهدها صناعة السيارات العالمية، حيث باتت بطاريات السيارات الكهربائية تمثل محور التنافس الرئيسي بين الدول الساعية لاحتلال مواقع قيادية في المنظومة الاقتصادية الصناعية الجديدة.



