المغرب يواجه ضغوطاً أوروبية متزايدة بشأن الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات الكهربائية
يجد المغرب نفسه في قلب تجاذبات صناعية وتجارية متصاعدة بين الاتحاد الأوروبي والصين، في ظل تشديد بروكسل لموقفها تجاه الاستثمارات الصينية في الدول المرتبطة معها باتفاقيات تبادل حر. وتأتي هذه الضغوط، المرتبطة بمشاريع السيارات الكهربائية والبطاريات، وسط تحذيرات أوروبية من "مخاطر الالتفاف التجاري" وإمكانية إغراق الأسواق بمنتجات مدعومة، وهو ما قد يترجم إلى فرض رسوم تجارية ثقيلة على غرار سابقة جنوط الألومنيوم.
وتتبنى المفوضية الأوروبية خطاباً هجومياً يركز على قضايا فائض القدرة الإنتاجية، والدعم الحكومي، والمكونات الصينية في المركبات الكهربائية، سعياً لحماية صناعتها المحلية. وفي هذا السياق، أعربت أوساط إعلامية دولية عن قلق الاتحاد الأوروبي من بناء الصين لقاعدة صناعية في المغرب، معتبرة أن استثمارات بمليارات الدولارات تثير مخاوف من تدفق منتجات مدعومة قد تكتسح المصنعين الأوروبيين.
قانون تسريع الصناعة وقواعد المنشأ
تتزامن هذه التوترات مع اقتراب موعد القمة الأوروبية المرتقبة في بروكسل يومي 18 و19 يونيو 2026، حيث سيناقش قادة الدول والحكومات قضايا جيوسياسية واقتصادية ذات أولوية، من بينها المقترح التشريعي الخاص بـ "قانون تسريع الصناعة" (Industrial Accelerator Act – IAA). ويهدف هذا القانون إلى تعزيز التفضيل الصناعي الأوروبي ودعم التقنيات منخفضة الكربون المصنعة داخل القارة، مع إمكانية فرض قيود على الواردات الصينية لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها بكين، خاصة في قطاعات البطاريات والمعادن والمكونات الحيوية.
ويعد المغرب معنياً بشكل مباشر بهذه التحولات، كونه يطور هذه القطاعات بشراكة مع فاعلين صينيين بارزين. وتفيد مصادر مطلعة بأن القلق الأوروبي ينبع من نجاح منظومة صناعة السيارات المغربية في تحقيق اندماج عمودي مع الشركاء الصينيين في نظام "البطاريات"، في وقت تواجه فيه المشاريع الأوروبية المماثلة صعوبات في التنفيذ واللحاق بالركب التقني والجودة المطلوبة.
وفي هذا الصدد، تشير تقارير إلى أن مجموعات كبرى مثل "ستيلانتيس" (Stellantis) تجري محادثات مع العملاق الصيني "سي إيه تي إل" (CATL) بشأن مستقبل شركة "إيه سي سي" (ACC)، المشروع المشترك الذي أسسته مع "مرسيدس" و"توتال إنيرجي"، بينما تشهد العلاقة توتراً بين "رونو" (Renault) وشركة "فيركور" (Verkor) بسبب ارتفاع التكاليف والتأخر في المواعيد. وبناءً على ذلك، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إغلاق منافذ الدخول أمام "التسونامي الصيني"، حتى لو أدى ذلك إلى أضرار جانبية تطال شركاء مثل المغرب وتركيا.
سابقة جنوط الألومنيوم والرسوم الثقيلة
قدمت قضية جنوط الألومنيوم المصنعة في المغرب مؤشراً مبكراً على المقاربة الأوروبية الجديدة، حيث فرض الاتحاد الأوروبي في سنة 2023 رسوم مكافحة الإغراق، ثم أضاف في سنة 2025 رسوم تعويضية بعد خلص إلى أن بعض الواردات تستفيد من دعم غير عادل.
وتكشف البيانات الجمركية الأوروبية المحينة في 2 يونيو 2026، أن الواردات المرتبطة بشركة "ديكا موروكو أفريكا" (Dika Morocco Africa)، ذات الرأسمال الصيني، تخضع لرسم مكافحة إغراق بنسبة 17.5% ورسم تعويضي بنسبة 31.4%، ليصل إجمالي العبء الضريبي التراكمي إلى 48.9%. وفي المقابل، تخضع شركة "هاندز 8" (Hands 8) الكورية لرسوم أقل بنسبة 8%، وهو ما أُرجع إلى شفافية الشركة مع المحققين الأوروبيين. ورغم احتجاج المغرب ودفاعه عن موقفه في إطار اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه الرسوم ظلت سارية المفعول.
تحركات سياسية لحماية المصالح الوطنية
تجري حالياً نقاشات سياسية للدفاع عن المصالح المغربية في ظل هذا المناخ الحمائي. وتؤكد مصادر أن المملكة ستدافع عن حقوقها استناداً إلى اتفاقيات التبادل الحر، مشددة على أن أي قرار أوروبي يجب أن يمتثل لهذه الاتفاقيات لتجنب تحديات مستقبلية خطيرة.
ويطرح المغرب نفسه كشريك موثوق يمكنه مساعدة الاتحاد الأوروبي على الاندماج في المنظومة المغربية للبطاريات وتدارك تأخره في إطار شراكة رابحة للطرفين. كما ترفض المصادر الطرح القائل بأن الصين تستخدم المغرب كـ "حصان طروادة" للوصول إلى السوق الأوروبية، مشيرة إلى أن الشركات الصينية تمتلك بالفعل مصانع داخل الاتحاد الأوروبي في دول مثل المجر وسلوفينيا، بالإضافة إلى تركيا.
وتشدد الدفوعات المغربية على أن الاستثمارات الصينية تستجيب أولاً لحاجة قطاع السيارات الوطني للنجاح في التحول نحو الكهرباء، كما أن المشاريع الكبرى هي استثمارات مشتركة تشهد حضوراً مغربياً في الرأسمال، مثل مشروع "كوبكو" (COBCO) الذي يجمع بين "سي إن جي آر" (CNGR) ومجموعة "المدى" (Al Mada)، أو مشروع "غوشن باور موروكو" (Gotion Power Morocco) الذي يضم مساهمة من صندوق الإيداع والتدبير (CDG).
وتهدف المشاورات الجارية مع الاتحاد الأوروبي إلى استكشاف إمكانية الاعتراف بالمحتوى المصنع في المغرب كمعادل للمحتوى الأوروبي في بعض الأنظمة الصناعية، وهو ما من شأنه، في حال التوصل إلى اتفاق، الحفاظ على الصادرات المغربية وحماية الاستثمارات والسيادة الصناعية للمملكة.



