
المغرب يرسخ مكانته كقوة إقليمية صاعدة في تقرير دولي يرصد تحولات المملكة الاستراتيجية
كشف تقرير حديث صادر عن مركز "ستيمسون" (Stimson Center) عن تحول عميق في مكانة المملكة المغربية على الساحة الدولية، حيث انتقلت من دور "الدولة العازلة" أو "الدركي" المكلف بضبط تدفقات الهجرة، إلى "قوة إقليمية صاعدة ومبادرة" قادرة على فرض أجندتها الخاصة في المشهد العالمي، متموقعة كفاعل محوري يربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء المتوسطي.
وأبرز التقرير أن المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، اعتمد عقيدة "المعاملات الاستراتيجية"، وهي رؤية تقوم على تحويل المؤهلات الوطنية، سواء الجغرافية أو الأمنية أو الطاقية، إلى رافعات للتفاوض الدبلوماسي، حيث باتت المملكة تربط تعاونها بمدى تماشي مواقف الشركاء مع مصالحها الحيوية، وفي مقدمتها الاعتراف بسيادتها على الصحراء.
ريادة صناعية وتحول نحو التكنولوجيا العالية
سجلت المملكة طفرة صناعية كبرى مكنتها من ترسيخ مكانتها كأول مصنع للسيارات في القارة الإفريقية، متجاوزة جنوب إفريقيا، بإنتاج سنوي تخطى حاجز المليون مركبة. وقد تحولت مناطق التسريع الصناعي في طنجة والقنيطرة إلى منظومات متكاملة تضم فاعلين دوليين مثل "رونو" (Renault) و"ستيلانتيس" (Stellantis)، مدعومة بمئات الموردين.
وفي قطاع الطيران، يضم المغرب أكثر من 140 مقاولة، من بينها "بوينغ" (Boeing) و"سافران" (Safran) و"بومباردييه" (Bombardier). كما أطلقت المملكة استراتيجية "المغرب للذكاء الاصطناعي 2030" وإحداث "معاهد الجزري"، بهدف إحداث 240 ألف منصب شغل رقمي بحلول نهاية العقد الجاري.
وعلى مستوى سلاسل القيمة العالمية، يستثمر المغرب سيطرته على 70% من الاحتياطيات العالمية للفوسفاط ومكانته كتاسع منتج عالمي للكوبالت، ليتحول إلى مركز مستقبلي لبطاريات "ليثيوم حديد فوسفات" (LFP). وقد استقطب هذا التوجه استثمارات صينية تجاوزت 700 مليون دولار، تشمل مشروع مجموعة "بي تي آر" (BTR) لإنتاج الأقطاب الكهربائية قرب طنجة، ومصنع "غوشن هاي تيك" (Gotion High Tech) العملاق بالقنيطرة بطاقة قد تصل إلى 100 جيجاوات في الساعة.
لوجستيك عالمي وبنية تحتية متطورة
عزز مركب طنجة المتوسط دور المغرب كمركز للقيادة في التجارة العالمية، حيث عالج 10.2 مليون حاوية (EVP) في عام 2024، متفوقاً على ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، بل وتجاوز حجم نشاطه مجموع مينائي الجزيرة الخضراء وفالنسيا معاً. وساهمت هذه البنية التحتية الرقمية والمتصلة في ارتقاء المغرب من المرتبة 34 إلى المرتبة 21 عالمياً في مؤشر الربط البحري (LSCI)، مما عزز جاذبيته في استقطاب الشركات الأوروبية الباحثة عن القرب الجغرافي وتنافسية التكاليف.
الطموح الطاقي وتحديات الإجهاد المائي
يسعى المغرب إلى تحقيق سيادته الطاقية عبر هدف طموح يتمثل في بلوغ 56% من القدرة الكهربائية من المصادر المتجددة بحلول عام 2030. ومع نهاية عام 2024، تجاوزت القدرة المنشأة 4000 ميجاوات، مدعومة بمجمع "نور ورزازات" للطاقة الشمسية ومزارع الرياح التي تبلغ قدرتها 2373 ميجاوات.
وضمن "عرض المغرب" للأيدروجين الأخضر، خصصت المملكة مليون هكتار للمستثمرين، مما أطلق موجة مشاريع بقيمة 32.5 مليار دولار، بهدف الاستحواذ على 4% من الطلب العالمي على الأيدروجين الأخضر بحلول 2030.
في المقابل، يواجه المغرب تحدي الجفاف الهيكلي، حيث تراجعت حصة الفرد من المياه من 2560 متراً مكعباً في الستينيات إلى نحو 565 متراً مكعباً حالياً، مما يضع البلاد في المرتبة 27 عالمياً بين الدول الأكثر تهديداً بنقص المياه. ولمواجهة ذلك، أطلق المغرب البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، الذي يرتكز على تحلية مياه البحر (بهدف إنتاج 1.4 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030) ومشاريع الربط بين الأحواض المائية، مثل الطريق السيار للماء بين حوضي سبو وأبي رقراق.
دبلوماسية "الغراند سلام" والتوازنات الإقليمية
نجحت الدبلوماسية المغربية في جعل قضية الصحراء رافعة للقوة، وتوج ذلك بالقرار رقم 2797 لمجلس الأمن الدولي في أكتوبر 2025، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي كقاعدة وحيدة للحل السياسي. ويأتي هذا بعد الاعتراف الأمريكي عام 2020 وتأييد الاتحاد الأوروبي للمبادرة.
وإفريقياً، عزز المغرب نفوذه عبر "دبلوماسية الفوسفاط" من خلال مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، إضافة إلى "القوة الناعمة" الدينية عبر معهد محمد السادس لتكوين الأئمة.
وعلى الصعيد الإقليمي، يشير التقرير إلى استمرار سباق التسلح مع الجزائر، حيث خصص المغرب 13 مليار دولار للدفاع لعام 2025، مقابل ميزانية عسكرية جزائرية بلغت 25 مليار دولار. ورغم هذا التوتر، تبرز محاولات وساطة أمريكية للحد من التصعيد وضمان استقرار المنطقة.
الرهانات الاجتماعية والحكامة
رغم المؤشرات الماكرو-اقتصادية الإيجابية، مع نمو متوقع بنسبة 4.4% وتقليص عجز الميزانية إلى 3.5% من الناتج الداخلي الخام، يواجه المغرب تحديات اجتماعية هيكلية. فقد بلغت نسبة التغطية الصحية الأساسية 88%، مع توجه نحو التعميم الشامل بنهاية السنة، بالتزامن مع استبدال نظام الدعم المباشر بصندوق المقاصة.
وتظل بطالة الشباب، التي تتجاوز 35% في الوسط الحضري، ومشاركة النساء في سوق الشغل التي لا تتعدى 22%، من أبرز التحديات. كما أشار التقرير إلى الحاجة لتطوير المنظومة التعليمية لتواكب الوتيرة الصناعية، ومعالجة الفوارق اللغوية، وتحسين مؤشرات الحكامة، حيث تبلغ نسبة تنفيذ قوانين مكافحة الفساد 53% رغم جودة تصميمها التشريعي التي تصل إلى 73%.



