
95% من الفاعلين المدنيين” يستخدمون الذكاء الاصطناعي وسط دعوات لضبط المخاطر القانونية والأخلاقية
شددت جمعية "سمسم – مشاركة مواطنة" على ضرورة وضع إطار قانوني ومؤسساتي متكامل ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي في المغرب، مع ضمان إشراك منظمات المجتمع المدني بشكل منهجي في إعداد وتقييم السياسات العمومية المرتبطة بهذا المجال. وجاء ذلك ضمن مذكرة ترافعية حديثة بعنوان "الذكاء الاصطناعي والمجتمع المدني بالمغرب: نحو حكامة مسؤولة وإطار تنظيمي يراعي احتياجات الفاعلين المدنيين".
وأكدت الجمعية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية حديثة، بل صار محركاً أساسياً لإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، نظراً لحضوره المتزايد في قطاعات التعليم والإدارة والإعلام وإنتاج المعرفة، وتأثيره المباشر في عمليات اتخاذ القرار وتوجيه الرأي العام. وهو ما يفرض، وفق المذكرة، مواكبة تشريعية دقيقة توازن بين استثمار هذه التكنولوجيا وتقليص مخاطرها القانونية والأخلاقية.
غياب إطار تشريعي ومؤسساتي موحد
أبرزت المذكرة أن المغرب يعيش دينامية مهمة في مجال الرقمنة وتحديث الخدمات العمومية، غير أن هذا التطور يحتاج إلى تأطير قانوني واضح يحدد آليات تطوير واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع ضبط المسؤوليات والضمانات ومساطر المراقبة. وسجلت الوثيقة أن المملكة لا تزال تفتقر إلى قانون خاص بالذكاء الاصطناعي، رغم توفر نصوص قانونية ذات صلة، مثل قوانين حماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، والحق في الحصول على المعلومات.
واعتبرت الجمعية أن غياب إطار تشريعي موحد يدمج الجوانب التقنية والحقوقية والأخلاقية يخلق فراغاً تنظيمياً لا يواكب التحديات الجديدة، خاصة ما يتعلق بحماية البيانات، والتحيز الخوارزمي، وتحديد المسؤوليات القانونية. كما نبهت إلى غياب بنية مؤسساتية وطنية واضحة تتولى الحكامة المباشرة عبر التوجيه الاستراتيجي والتقييم الأخلاقي، مشيرة إلى أن تشتت الاختصاصات بين عدة مؤسسات يحد من فعالية التنسيق ويضعف القدرة على بلورة رؤية وطنية متكاملة.
95% من الفاعلين المدنيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي
على مستوى المعطيات الميدانية، استندت المذكرة إلى نتائج استبيان وطني أطلقته الجمعية حول استخدام الذكاء الاصطناعي داخل منظمات المجتمع المدني، شارك فيه 58 مستجيباً. وتوزعت عينة المشاركين بين ممثلي الجمعيات بنسبة 81%، والباحثين بنسبة 12%، والنشطاء بنسبة 5%، إضافة إلى مشارك واحد من قطاع التكنولوجيا.
وكشفت النتائج عن انتشار واسع لهذه التقنيات داخل العمل الجمعوي، حيث أكد نحو 95% من المشاركين استخدامهم لأدوات الذكاء الاصطناعي؛ إذ صرح 55.2% منهم باعتمادهم عليها بشكل كبير، و39.7% يستخدمونها بدرجات متفاوتة، في حين لم تتجاوز نسبة غير المستخدمين 5.2%.
وأظهرت الدراسة أن أبرز مجالات الاستخدام تتركز في إعداد المحتوى، والبحث، والتصميم، والتواصل، وإعداد التقارير، والترجمة. ورغم هذا الانتشار، أوضحت المعطيات أن مستوى المعرفة بهذه التقنيات لا يزال في معظمه متوسطاً أو ضعيفاً، مما يستدعي إطلاق برامج للتكوين وتعزيز القدرات الرقمية داخل النسيج المدني.
تحديات السيادة الرقمية وفجوة الذكاء الاصطناعي
حذرت المذكرة من اتساع "فجوة الذكاء الاصطناعي" الناتجة عن التفاوت في الولوج إلى هذه الأدوات، مؤكدة أن هذه الفجوة تمتد لتشمل مجالات التأثير في المعرفة وصناعة القرار والسياسات العمومية. كما لفتت الانتباه إلى تحديات مرتبطة بالسيادة الرقمية، نتيجة اعتماد الجمعيات على منصات رقمية عالمية تتحكم في جزء كبير من البيانات والخدمات، فضلاً عن مخاطر الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.
وخلصت الجمعية إلى أن إدماج منظمات المجتمع المدني في صياغة الإطار التشريعي والمؤسساتي يمثل خياراً ديمقراطياً ينسجم مع مقتضيات دستور 2011 المتعلقة بالديمقراطية التشاركية، خاصة وأن هذه المنظمات باتت تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في أنشطة الترافع، والرصد، والتوثيق، وتحليل البيانات.



