
المغرب يطلق مشروع “التصنيف المغربي للتمويل الأخضر” لتحديد الأنشطة الاقتصادية الصديقة للبيئة
يستعد المغرب لإطلاق إطار مرجعي موحد لتحديد الأنشطة الاقتصادية التي يمكن اعتبارها "خضراء"، من خلال مشروع "التصنيف المغربي للتمويل الأخضر" (Taxonomie marocaine de la finance verte). ويهدف هذا المشروع، المعروض حالياً للاستشارة العمومية إلى غاية 31 يوليوز 2026، إلى وضع تعريف مشترك للأنشطة القابلة للتمويل كأنشطة خضراء، ليكون بمثابة مرجع أساسي للأبناك والمقاولات والمستثمرين، متجاوزاً حالة الغموض التي قد تكتنف تصنيف بعض المشاريع.
وتغطي المرحلة الأولى من هذا المشروع، في شقها المتعلق بخفض الانبعاثات، ثلاثة قطاعات ذات أولوية وهي الطاقة، والنقل، والصناعة التحويلية. أما الشق المتعلق بالتكيف مع المخاطر المناخية، فيمتد ليشمل الفلاحة، واستغلال الغابات، بالإضافة إلى أنشطة مرتبطة بالبنيات التحتية وتدبير المياه. ويظل العمل بهذا النظام اختيارياً في هذه المرحلة، حيث لا يترتب عنه أي منع أو عقوبات أو ضرائب جديدة، بل يهدف إلى التمييز بين المشاريع الصديقة للبيئة وتوجيه التمويلات نحوها.
نظام تصنيف ثلاثي الألوان
يعتمد المشروع على مبدأ توزيع الأنشطة الاقتصادية المعنية إلى ثلاث فئات حسب مستوى مساهمتها في الانتقال المناخي:
– الفئة الخضراء: تشمل الأنشطة التي تحقق أفضل مستويات الأداء البيئي المتوقعة، مثل إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة عند احترام المعايير المحددة. – الفئة البرتقالية: تخص الأنشطة التي لا يمكن اعتبارها خضراء بالكامل حالياً، لكنها تتبع مساراً موثوقاً لخفض انبعاثاتها. وتعتبر هذه الفئة مؤقتة، حيث حُدد لها سقف زمني غالباً ما يكون 31 دجنبر 2035، ليكون على المقاولة حينها بلوغ معايير الفئة الخضراء. – الفئة الحمراء: تضم الأنشطة غير المتوافقة مع الأهداف المناخية، وهي لا تُمنع من التمويل، لكن لا يمكن تقديمها أو تمويلها كنشاط أخضر ضمن هذا الإطار.
وتركز المرحلة الأولى على أولويتين هما خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، ومساعدة الأنشطة الاقتصادية على مقاومة الفيضانات، والحرارة المفرطة، والإجهاد المائي.
عتبات تقنية دقيقة حسب كل نشاط
يستند التصنيف إلى معايير تقنية محددة لكل نشاط. ففي مجال إنتاج الكهرباء، يجب ألا تتجاوز الانبعاثات 100 غرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة لتصنيف المنشأة كخضراء، وهو ما ينطبق على الطاقة الشمسية، والريحية، والكهرومائية، والطاقة الحيوية، والمنشآت المزودة بأنظمة التقاط الكربون.
وفي المقابل، تتراوح كثافة انبعاثات المحطات الحديثة التي تعمل بالغاز بين 335 و344 غراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة، مما يمنع تصنيفها كخضراء، غير أن بعض المنشآت القائمة قد تصنف مؤقتاً ضمن الفئة البرتقالية في إطار عمليات التجديد التي تدمج الهيدروجين تدريجياً، وذلك في حدود سنة 2030.
وبالنسبة لإنتاج الهيدروجين، يجب ألا تتجاوز الانبعاثات 3 أطنان من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الهيدروجين طوال دورة الحياة ليصنف أخضر، ما يمثل خفضاً بنسبة 73.4% مقارنة بالمرجع الأحفوري المعتمد. أما في أنشطة التكيف، فيجب على المشروع إثبات قدرته الفعلية على تقليص التعرض للمخاطر المناخية دون نقل المشكل إلى أوساط أخرى.
أداة للربط مع التطبيقات العملية
أوضح خبير في القطاع، في تصريح صحفي، أن التصنيف يهدف إلى تمكين المستثمرين من تحديد مدى ملاءمة المشاريع للمناخ بسهولة، مشيراً إلى أن غياب "قانون للمناخ" في المغرب يجعل من الصعب تحويل التصنيف إلى أداة تنفيذية كاملة. وأضاف أن "ميثاق الاستثمار" الحالي يمنح منحة بنسبة 3% مرتبطة ببعض الإجراءات الصديقة للمناخ، مثل تدبير المياه أو الطاقات المتجددة، ويمكن للتصنيف مستقبلاً أن يعمل كمعيار للتمويل وتتبع المشاريع.
واعتبر المصدر ذاته أن الفائدة الحقيقية للتصنيف تكمن في كونه يتجاوز مجرد "علامة تجارية" (Label) ليصبح مؤثراً في قرارات التمويل، وهو ما يتوقف على كيفية استخدامه من طرف الأبناك والمستثمرين.
التأثير على القطاع البنكي والمقاولات
بالنسبة للأبناك، سيوفر التصنيف منهجية موحدة لتحديد المشاريع الخضراء، حيث سيتعين على البنك التحقق من إدراج النشاط ضمن النطاق المعتمد، وفحص أدائه البيئي، وضمان عدم وجود آثار سلبية على أهداف بيئية أخرى، مع احترام الضمانات الاجتماعية الدنيا. ويمكن استخدام هذه الشبكة في القروض الخضراء، والقروض المرتبطة بأهداف الاستدامة، والسندات والصكوك الخضراء، وقياس الحصة الخضراء في محفظة البنك، دون أن يعني ذلك بالضرورة استفادة المشروع الأخضر تلقائياً من سعر فائدة مخفض.
أما بالنسبة للمقاولات، فسيكون عليها إثبات احترام المعايير بناءً على بيانات دقيقة تتعلق بأداء المعدات واستهلاك الطاقة ومستويات الانبعاثات. وسيتم التقييم لكل نشاط على حدة، حيث يمكن للمقاولة حساب حصة رقم معاملاتها أو استثماراتها المرتبطة بالأنشطة المتوافقة. وبينما تقوم المقاولة بالتحقق الذاتي أولاً، يُفرض رقيب مستقل في حالات معينة مثل الأنشطة الصناعية أو المرتبطة بالهيدروجين أو عند إصدار سندات خضراء. وقد تم إقرار نظام مخفف للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، يعفيها من جزء من المتطلبات البيئية العامة مع إلزامها بالمعايير التقنية لنشاطها والضمانات الاجتماعية، مع التوجه نحو تطوير أدوات مبسطة لخفض تكاليف المساطر.
مرجع لسوق الرساميل والجاذبية الدولية
سيعمل التصنيف كمرجع لصناديق الاستثمار في الأنشطة المستدامة والعمليات التي تمزج بين التمويل العام والخاص. كما يهدف المشروع المغربي إلى تحقيق التوافق مع الأطر الدولية، لاسيما معايير الاتحاد الأوروبي، لتعزيز مقروئية المشاريع المغربية لدى المستثمرين الدوليين وتقوية مصداقية التمويلات المعلنة كخضراء، رغم أن هذا التوافق لا يضمن تلقائياً نجاح الإصدارات أو جلب رؤوس أموال جديدة.



