الأصول المهملة في المغرب: مسار الأموال من الحسابات البنكية إلى خزينة الدولة

تواجه مئات الملايين من الدراهم، التي نسيها أصحابها أو ورثتهم، مصيراً يقودها تدريجياً نحو خزينة الدولة، في ظل منظومة قانونية تنظم نقل "الأصول المهملة" (Avoirs en déshérence) لكنها تفرض التزامات محدودة للبحث عن المستفيدين منها. وتكشف المعطيات المحيطة بهذا الملف عن منطقة رمادية في النظام المالي المغربي، حيث يظل الحجم الحقيقي لهذه الأصول غير معروف بدقة.

وتجسد حالة افتراضية لتاجر يدعى "السي إدريس" توفي دون ترك وصية أو وثائق واضحة، معاناة العديد من الأسر المغربية؛ حيث تجد أرملته "خديجة" وأبناؤها أنفسهم أمام متاهة إدارية للبحث عن حسابات بنكية أو عقود تأمين محتملة، وهو ما يعرف إدارياً بـ "الشغور" أو "الخمول".

المسار القانوني للأصول المهملة

يفرق القانون بين ثلاثة مفاهيم أساسية: الحساب البنكي "غير النشط" الذي لا يسجل أي حركة بمبادرة من صاحبه، و"الحساب النائم" الذي يطول خموله بسبب النسيان أو الوفاة، وأخيراً "الأصول المهملة" وهي الأموال (بنكية، عقود تأمين، محافظ سندات أو أسهم) التي لا يطالب بها أصحابها أو ورثتهم.

ويحدد المادة 152 من القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، القواعد المنظمة لهذه الأصول. فبعد 10 سنوات من الخمول، تُحول الأموال المودعة في البنوك إلى صندوق الإيداع والتدبير (CDG)، الذي يحتفظ بها لمدة 5 سنوات إضافية. وإذا لم يتقدم أي شخص للمطالبة بها خلال هذه الفترة، يتم تحويلها نهائياً وبشكل غير قابل للاسترداد إلى خزينة المملكة. وبذلك، يمتلك الورثة مهلة إجمالية تصل إلى 15 سنة لاستعادة أصول غالباً ما يجهلون وجودها.

وتشير القواعد الحالية إلى أن النظام يركز على تنظيم عملية الاستحواذ أكثر من حماية المدخرين؛ إذ لا تفرض القوانين على الأبناك أو صندوق الإيداع والتدبير أي التزام بالبحث عن ذوي الحقوق، باستثناء إشعار وحيد يُرسل قبل ستة أشهر من التحويل إلى آخر عنوان معروف لصاحب الحساب. وفي المقابل، تستمر مصاريف تسيير الحساب في استنزاف الرصيد طيلة فترة الخمول التي لا تقل عن 10 سنوات.

أما في قطاع التأمين، فإن الوضع يبدو أكثر تعقيداً، حيث لا يتضمن مدونة التأمين (القانون 17.99) مقتضيات لنقل الأموال إلى صندوق الإيداع والتدبير أو الاتصال بالمستفيدين، باستثناء قطاع "تأمين تكافل" الذي تم تأطيره منذ سنة 2019.

أرقام صادمة: درهم للورثة مقابل درهمين للخزينة

تظهر البيانات الصادرة عن صندوق الإيداع والتدبير (CDG) تطوراً لافتاً في حركة هذه الأموال. ففي نهاية ديسمبر 2020، بلغ صافي الأصول المودعة 313 مليون درهم موزعة على 24,879 حساباً، حيث استرد 966 مستفيداً فقط مبلغ 54.6 مليون درهم، بينما تم تحويل 71 مليون درهم إلى الخزينة.

وبحلول نهاية أبريل 2026، كشفت معطيات محدثة أن الرصيد المودع استقر عند حوالي 305 ملايين درهم، لكن هذا الاستقرار يخفي طفرة في التدفقات؛ فمنذ عام 2006، بلغ إجمالي المبالغ المودعة 797 مليون درهم، ومر عبر الصندوق 60,767 حساباً (أي أكثر من الضعف في 5 سنوات). والأهم من ذلك، أن المبالغ التي سقطت بالتقادم وحُولت للخزينة قفزت إلى 353 مليون درهم، مقابل 71 مليوناً في 2020، وهو ما يمثل تضاعفاً بنحو خمس مرات. وفي المقابل، لم تتجاوز الاستردادات 136 مليون درهم لفائدة 1,997 مستفيداً.

وتكشف هذه الأرقام أنه مقابل كل درهم يُعاد لذوي الحقوق، يذهب أكثر من درهمين إلى خزينة الدولة. ومن بين حوالي 61 ألف حساب أودعت في الصندوق خلال عشرين عاماً، لم يجد سوى 300 حساب تقريباً أصحابها.

وقبل وصول هذه الأموال إلى صندوق الإيداع والتدبير، تظل تعمل داخل الحسابات البنكية لمدة 10 سنوات كواردات شبه مجانية. وبناءً على تقدير حذر بنسبة فائدة 2% سنوياً، فإن مبلغ 797 مليون درهم المودع منذ 2006 قد أنتج عائداً لا يقل عن 175 مليون درهم لصالح البنوك خلال فترة الخمول القانونية.

4 ملايين حساب غير نشط وفق تقديرات دولية

تمثل البيانات السابقة "الجزء الظاهر من جبل الجليد" فقط، لأنها لا تشمل الأموال التي لا تزال في دفاتر البنوك ولم تصل بعد إلى عتبة العشر سنوات. ووفقاً لبيانات "Global Findex" الصادرة عن البنك الدولي لعام 2024، فإن نسبة الحسابات غير النشطة في المغرب (التي لم تسجل أي حركة لمدة 12 شهراً) تبلغ حوالي 11%، أي ما يعادل حساباً واحداً من بين كل تسعة حسابات.

وبإسقاط هذه النسبة على إحصائيات بنك المغرب، فإن 11% من الحسابات تعادل نحو 4 ملايين حساب غير نشط. وفي ظل غياب بيانات رسمية مجمعة، يظل من الصعب تحديد عدد الحالات المشابهة لحالة "السي إدريس".

وفي تصريح رسمي رداً على سؤال برلماني في مايو الماضي حول الحسابات البنكية غير النشطة، ركزت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، في جوابها على الحسابات "المدينة" (ذات الرصيد السالب) وقواعد إغلاقها لتجنب تراكم الفوائد، دون التطرق إلى مصير الحسابات "الدائنة" المهملة أو التزامات البنوك في البحث عن أصحابها.

من جانبه، أوضح عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، في تصريح صحفي، أن البنك المركزي يقوم بجرد هذه الحسابات بانتظام لتحويلها إلى صندوق الإيداع والتدبير بعد انصرام الآجال القانونية. وحول نسبة 11% للحسابات غير النشطة التي أوردها البنك الدولي، اعتبر الجواهري أن "هذه النسبة تبدو مرتفعة قليلاً" مشيراً إلى أنه سيتم التحقق منها.

آليات الاسترجاع المتاحة وعوائقها

أصدر بنك المغرب في يوليو 2023 دليلاً يوضح للورثة كيفية تحديد الحسابات المفتوحة باسم المتوفى. وتعتبر المسطرة مجانية وإدارية، حيث يكفي الإدلاء بعقد الوراثة ووثائق الهوية لوضع طلب لدى مقر البنك المركزي أو إحدى وكالاته، لتلقي الرد في غضون خمسة أيام عمل. لكن في الحالات المعقدة (وجود قاصرين أو نزاعات قضائية)، يتطلب الأمر إذن النيابة العامة أو القاضي.

وعلى مستوى قطاع التأمين، أكدت هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) عدم توفرها على بيانات اسمية للمؤمن لهم أو المستفيدين، ولا يوجد ملف مركزي يربط المتوفين بالعقود المكتتبة، مما يضطر العائلات للبحث لدى كل شركة تأمين على حدة، رغم أن جاري هذا القطاع يتجاوز 200 مليار درهم. وتجري الهيئة حالياً دراسة لتقييم حجم الظاهرة.

وفيما يخص التقاعد، لا تنشر صناديق (CNSS، CMR، RCAR، CIMR) أي إحصائيات حول الحقوق غير المصفاة أو المعاشات النائمة. أما منصة "أمانتي" (Amanati) التي أطلقها صندوق الإيداع والتدبير في 2021 لتمكين المواطنين من البحث عن أصولهم، فقد لوحظ أنها غير متاحة حالياً للمستخدمين من الناحية التقنية.

تجارب دولية ومفارقات الأداء البنكي

تعتمد دول عدة أنظمة أكثر حماية لذوي الحقوق؛ ففي فرنسا، يلزم "قانون إيكرت" (Loi Eckert) لعام 2014 البنوك وشركات التأمين بالبحث عن أصحاب الحسابات غير النشطة ومراجعة السجل الوطني للوفيات سنوياً، مع منح مهلة تصل إلى 30 سنة لاسترداد الأموال. وفي المملكة المتحدة، تُحول الأموال لجهة متخصصة مع بقاء حق الملكية قائماً دون قيد زمني.

والمفارقة تكمن في أن الفروع الأوروبية للبنوك المغربية (مثل "Chaabi Bank" و"Attijariwafa bank Europe") تطبق "قانون إيكرت" في فرنسا وتلتزم بالبحث النشط عن الورثة ومراجعة سجلات الوفيات، بينما لا تقوم بذلك في المغرب لعدم وجود نص قانوني يلزمها بذلك.

وعلى مستوى الإصلاحات، تم إطلاق مشروع الحالة المدنية الرقمية (القانون 36.21)، كما عرف القانون 103.12 تعديلاً في 2025، لكنه اقتصر على جوانب تقنية واحترازية دون التطرق لملف الأصول المهملة، الذي لا يزال في مرحلة الدراسة لدى البنك المركزي.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *