
تقاطع المعطيات الرقمية يكشف “المداخيل المخفية” ويحاصر مسيري الشركات المتهربين من الضرائب
شرعت فرق المراقبة والتحصيل الإقليمية والجهوية التابعة للمديرية العامة للضرائب في إخضاع قائمة أولية تضم 87 شركة لمساطر المراجعة الضريبية، وذلك عقب رصد مؤشرات دقيقة حول تملص وغش ضريبي في تصريحاتها المحاسبية والمالية، وهو ما استدعى افتحاصاً دقيقاً لحسابات هذه الوحدات، لا سيما في الشق المتعلق ببيانات أجور المسيرين التي لم يتجاوز بعضها الحد الأدنى للأجور "السميك".
وأفادت معطيات مطلعة بأن عدداً من المسيرين عجزوا عن تقديم تبريرات مقنعة بشأن اختلالات محاسبية في تصريحاتهم، بناءً على استفسارات وجهها مراقبو الضرائب خلال مرحلة "المراقبة على الورق". وأوضحت المصادر أن خوارزميات تحليل البيانات المركزية بالإدارة الجبائية زودت الفرق الإقليمية والجهوية في كل من الرباط والدار البيضاء وطنجة بمعلومات دقيقة حول الوضعية المالية الحقيقية لهؤلاء المسيرين، مؤكدة وجود عدم تناسب صارخ بين قيمة الأجور المصرح بها ومقتنياتهم من سيارات فاخرة وعقارات قيمة شملت شققاً وأراضي وفيلات.
تقاطع المعطيات الرقمية لكشف المداخيل المخفية
ومكنت مهام الافتحاص الجارية من رصد محاولات للتحايل على مصالح المراقبة الضريبية طيلة السنوات الأربع الماضية، عبر التصريح بأجور محدودة أو قريبة من الحد الأدنى للأجور. إلا أن قنوات تبادل المعطيات الإلكترونية بين مديرية الضرائب ومراكز التسجيل التابعة للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، كشفت عن إنجاز هؤلاء المسيرين لعمليات شراء أصول منقولة وثابتة بمبالغ مالية ضخمة، ما شكل تناقضاً طعن في مصداقية التصريحات المقدمة وأكد واقعة التستر على مداخيل مخفية.
ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن الإشعارات بالمراجعة فاجأت مسيري الشركات الذين اعتقدوا أن الالتزام بتقديم التصريحات داخل الآجال القانونية، وأداء الحد الأدنى من المساهمة المحددة في 0.25% من رقم المعاملات، كفيل بإبقائهم بعيداً عن "رادار" الإدارة الضريبية. غير أن هذا الاعتقاد اصطدم بمنهجية جديدة تعتمدها الإدارة، لم تعد تكتفي بالمطابقة الشكلية للإجراءات، بل تركز على الانسجام الفعلي بين المداخيل المصرح بها ومستوى المعيشة الحقيقي.
التدقيق في نمط العيش والثروة الفعلية
وتشير المعطيات إلى أن منطق "الاختفاء الضريبي" الذي ساد لسنوات، حيث كان بعض المسيرين يصرحون بأجور رمزية أو يتفادون تقاضي أي راتب رسمي للإفلات من الضريبة على الدخل ومساهمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع تمويل نفقاتهم عبر الحساب الجاري للشركة أو سيولة غير مصرح بها، بات في سنة 2026 استراتيجية محفوفة بمخاطر جسيمة لا يمكن التهاون في تقديرها.
ولم تقتصر عمليات المراقبة على فحص الميزانيات والقوائم المالية للشركات، بل امتدت إلى التدقيق في نمط العيش والثروة الفعلية للمسيرين من خلال تقاطع البيانات مع جهات متعددة. وقد وفرت هذه الجهات بيانات حول اقتناء عقارات ومركبات جديدة، فيما أتاحت معطيات مكتب الصرف رصد استهلاك مخصصات سياحية للسفر إلى الخارج، فضلاً عن تتبع تدفقات مالية سجلت في حسابات بنكية شخصية.
ويمنح الإطار القانوني الحالي الإدارة الضريبية صلاحيات واسعة في هذا الصدد، حيث تنص المادة 232 من المدونة العامة للضرائب على إمكانية مراجعة الوثائق المحاسبية لمدة تصل إلى عشر سنوات سابقة في حال اكتشاف تلاعبات في الحسابات، خاصة عندما يتعلق الأمر بملزمين لم يقدموا تصاريحهم الضريبية في الآجال المحددة، أو كانوا غير معرفين ضريبياً.



