
كريم التازي يقدم قراءة نقدية لمسار تنزيل مخرجات النموذج التنموي بعد خمس سنوات
قدم كريم التازي، رجل الأعمال والفاعل الجمعوي والعضو السابق في اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، قراءة نقدية "بدون مجاملة" لمسار تنزيل مخرجات التقرير بعد مرور خمس سنوات على تقديمه للملك محمد السادس، معتبراً أن أزمة الثقة بين المواطن والدولة لم تنفرج بل تفاقمت، لتصل إلى مستوى وصفه بـ "الدرجة الحرجة".
وأوضح التازي، في تصريح إعلامي، أن مسألة الثقة كانت مركزية في أشغال اللجنة، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى تعمق الفجوة، مبرزاً أن مفهوم "تضارب المصالح" الذي كان يقتصر سابقاً على التقارير المؤسساتية، أصبح اليوم "على لسان كل المواطنين".
الالتزام بالنتائج مقابل الالتزام بالوسائل
وفي تحليل للمسار الاقتصادي والسياسي، عقد التازي مقارنة بين تجربة المغرب وتجارب دول مثل الصين وكوريا الجنوبية، مشيراً إلى أن تحقيق معدلات نمو تتراوح بين 6 و7% كان بالنسبة لصناع القرار في تلك الدول هدفاً "غير قابل للتفاوض". وأوضح أن العقد السياسي بين الحزب الشيوعي الصيني والشعب كان يرتكز على رقم "8"، حيث كان يسود اعتقاد بأن أي معدل نمو يقل عن 8% يفقد الدولة شرعيتها، وهو ما جعل الصين تحافظ على مستويات نمو بين 10 و11% لمدة 25 عاماً، ليس فقط بسبب الظروف الخارجية، بل لأن الدولة ألزمت نفسها بتحقيق تلك الأهداف وتقاسمها مع الشعب والمحاسبة عليها.
واعتبر الفاعل الاقتصادي أن الدولة في المغرب "لا تعتبر نفسها ملزمة بتحقيق النتائج"، بل تكتفي بـ "الالتزام بالوسائل". وضرب مثالاً بقطاع الفلاحة، حيث تمت تعبئة دعم مالي لاستيراد الأغنام قبل عيد الأضحى، ومع ذلك ظل سعر الأضحية في حدود 5000 درهم، مؤكداً أن الحكومة لم تأخذ على عاتقها التزاماً أمام المواطنين بضمان سعر يتراوح بين 2000 و2500 درهم، بل اكتفت بوضع الإمكانيات رهن إشارة الهدف. ورأى التازي أن هذه المنطق ينسحب على مختلف السياسات العمومية، مما يسمح بتأخير إصلاح الإدارة العمومية أو تأجيل إصلاح التعليم عندما يصبح "خطراً سياسياً".
تعثر إصلاح التعليم والمقاومة المؤسساتية
وبخصوص قطاع التعليم، أشار التازي إلى وجود "بداية إرادة" للقيام بإصلاح صعب اتسم بإضرابات قوية، غير أن الوزير الذي كان يحمل هذا المشروع، والذي كان يرأس اللجنة أيضاً، أُعفي من هذه المسؤولية. واعتبر أن خلفه "يفعل ما بوسعه" لكنه لا يمتلك الخبرة السياسية الكافية لمناقشة كافة أعضاء الحكومة ومواجهة النقابات.
كما توقف العضو السابق في لجنة النموذج التنموي عند ما وصفها بـ "ردود الفعل العنيفة" ضد مؤسسات دستورية، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط حول التشغيل، ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. وأشار في هذا الصدد إلى أن رئيس هيئة مكافحة الرشوة قضى سنوات من العمل دون نتائج ملموسة، وعندما أدلى بتصريح "قوي" تم تقليص ميزانية الهيئة بنسبة 20%، مخلصاً إلى وجود "رفض صريح لربط المسؤولية بالمحاسبة".
المكتسبات المحققة في المجالين الاجتماعي والضريبي
رغم النقد، سجل كريم التازي مجموعة من التقدمات الملموسة، مشيراً إلى أن المساعدات الاجتماعية المباشرة ساهمت في "تقليص الفقر المدقع"، كما اعتبر توسيع التغطية الصحية الإجبارية (AMO) "خطوة إلى الأمام". ونوه أيضاً بإقرار القانون المتعلق بآجال الأداء وميثاق الاستثمار الجديد كـ "أمور إيجابية".
وعلى المستوى الضريبي، أشاد التازي بما قامت به الإدارة الضريبية لتوسيع الوعاء الضريبي ومحاربة القطاع غير المهيكل، معتبراً أن عملها يسير في الاتجاه الصحيح. وتساءل في هذا السياق: "إذا كانت إدارة واحدة قادرة على القيام بذلك، فلماذا لا تفعل الإدارات الأخرى الشيء نفسه؟ ولماذا لا يزال الحصول على رخصة سكن أو رخصة استغلال يشكل كابوساً؟".
المشهد السياسي والتحولات المجتمعية
سياسياً، وجه التازي انتقادات لمختلف الأطراف، معتبراً أن الأمل الذي ولد مع أول انتخابات بعد الدستور الجديد قد "تُعرض للخيانة". وفي ما يخص حزب العدالة والتنمية، رأى التازي أن الحزب "لم يجدد نفسه بما يكفي على مستوى الوجوه والبرامج ليشكل اليوم بديلاً جدياً".
أما بخصوص "اليسار الحزبي"، فقد صرح التازي بأنه "صرف النظر عنه"، معتبراً أن مشاكل المغرب ليست فقط مشاكل الدولة، بل إن الوضع "المؤلم" داخل أحزاب اليسار يعود أيضاً إلى وجود "زعماء لا يريدون تسليم المشعل".
وخلص التازي إلى أن الانقسام السياسي والمجتمعي الحالي في المغرب لم يعد بين اليمين واليسار، بل أصبح يتمحور حول "المحافظة" من عدمها، خاصة في قضايا مثل مكانة المرأة في المجتمع، والإرث، والإجهاض، والعلاقة بالدين. وأشار إلى أن "جمهور اليسار العريض في المغرب هو مسلم وممارس، لكنه يعتبر الدين شأناً شخصياً لا ينبغي استغلاله سياسياً"، متسائلاً عن مصير "الشطر الثاني من إصلاح مدونة الأسرة" الذي اعتبر أنه "اختفى" دون أن تطالب به حتى أحزاب اليسار.


