
المغرب يطلق استراتيجية لإعادة بناء أسطول تجاري وطني يضم 20 سفينة بحلول 2030
شهدت مدينة طنجة يومي 21 و22 ماي 2026 انعقاد المناظرة الوطنية الأولى للملاحة التجارية، والتي خُصصت للكشف عن نتائج الدراسة الاستراتيجية لوزارة النقل واللوجيستيك الرامية إلى إعادة بناء أسطول تجاري وطني قوي وتنافسي، تفعيلاً للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب الذكرى الـ48 للمسيرة الخضراء.
وأوصت الدراسة، التي أنجزها مكتب "بوسطن للاستشارات" (BCG)، بتطوير أسطول وطني يضم 20 سفينة بحلول سنة 2030، منها 8 سفن على الأقل مملوكة لشركات وطنية، لتشكل النواة الأولى للملاحة التجارية المغربية. وتأتي هذه الخطوة في ظل طموحات المملكة لتعزيز سيادتها اللوجيستية ومواكبة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل المبادرة الأطلسية من أجل إفريقيا، وتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر، والنهوض بالموانئ الجديدة.
20 سفينة وتحديد ثلاث فئات استراتيجية
ترتكز الرؤية الاستراتيجية الجديدة على استعادة حصة المغرب من التدفقات البحرية التي تهيمن عليها حالياً شركات أجنبية، رغم توفر المملكة بموجب القانون الدولي على حق استغلال 50% من التدفقات مع أوروبا. وفي هذا الصدد، حددت الدراسة ثلاث فئات ذات أولوية لعمل الأسطول المستقبلي:
– قطاع سفن الدحرجة والركاب (Ro-pax): بهدف الاستغلال الفعلي لنسبة 50% من التدفقات بين المغرب وأوروبا. – قطاع الصب الجاف: بالتركيز على الإمكانات المعدنية للمملكة، لاسيما الفوسفاط، حيث تطمح الدراسة لتأمين ما بين 20% و40% من التدفقات عبر فاعل وطني. – النقل الساحلي للحاويات (Feedering): باستهداف حصة سوقية تتراوح بين 5% و10% بين البحر الأبيض المتوسط ودول الواجهة الأطلسية الإفريقية وصولاً إلى خليج غينيا.
وعلى المستوى المالي، قدرت الدراسة الاحتياجات الاستثمارية لتشكيل هذا الأسطول بنحو 3.4 مليار درهم، مع توقعات بتحقيق رقم معاملات سنوي يصل إلى 3.6 مليار درهم بحلول سنة 2030، وإحداث ما لا يقل عن 1200 منصب شغل مباشر.
تحديات التنافسية وتكلفة العلم المغربي
رغم الطموحات المعلنة، تواجه عملية إعادة بناء الأسطول تحديات مرتبطة بتنافسية العلم المغربي. وفي هذا السياق، أوضح روني موريانا، نائب رئيس مجموعة "DFDS"، في مداخلة خلال المناظرة، أن تكاليف طاقم السفن التي ترفع العلم المغربي تزيد بنسبة تتراوح بين 15% و20% مقارنة بالسفن الأوروبية، رغم تماثل ظروف العمل والمسارات.
وأضاف موريانا أن النظام الضريبي المغربي يشكل عائقاً إضافياً، حيث أشار إلى أن الضريبة المؤداة في المغرب قد تفوق نظيرتها في أوروبا بنحو 920 مرة لنفس رقم المعاملات والربحية، مما يحد من قدرة المجهزين الوطنيين على إعادة الاستثمار في أساطيلهم.
من جانبه، شدد محمد الجوادي، رئيس الجمعية المغربية للمجهزين، على أن إعادة بناء الأسطول الوطني تتطلب التزاماً منسقاً بين جميع الأطراف، مؤكداً أنه في غياب دعم عمومي وانخراط الشاحنين والمستوردين المغاربة، سيبقى تجسيد هذا الطموح أمراً صعب المنال على المدى المتوسط.
تدابير تحفيزية ومشاريع هيكلية
لتحقيق "صدمة تنافسية" تتماشى مع المعايير الدولية، اقترحت الدراسة إدراج القطاع البحري ضمن منح ميثاق الاستثمار الجديد، وتفعيل صناديق ضمان خاصة، واعتماد الائتمان الإيجاري الضريبي، وتطبيق الضريبة على الحمولة (Taxe au tonnage) بالنسبة للضريبة على الشركات.
وفي سياق متصل، أعلن عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك، عن إطلاق الشطر الأول من طلبات العروض المخصصة لخطوط الركاب والعربات عبر مضيق جبل طارق، معرباً عن الاستعداد لفتح خطوط بحرية جديدة تربط موانئ الجنوب، لاسيما أكادير والداخلة، بوجهات أوروبية وإفريقية لدعم القطاعات التصديرية.
توصيات خارطة الطريق لعام 2030
خلصت المناظرة الوطنية للملاحة التجارية إلى وضع خارطة طريق تتضمن عدة توصيات مؤسساتية وتشغيلية، أبرزها:
– إحداث "المجلس الوطني الأعلى للبحر" كآلية للتنسيق بين الوزارات لتحديد التوجهات الاستراتيجية للقطاع. – إحداث "السجل الدولي المغربي" (RIM) لتقديم إطار تنافسي وجذاب يشجع المجهزين الدوليين على تسجيل سفنهم تحت العلم المغربي. – وضع نظام تمويلي مخصص لاقتناء وتحديث السفن مدعوم بآلية ضمان عمومية. – تسريع رقمنة المنظومة البحرية الوطنية من خلال منصات رقمية متكاملة وتأمين تبادل البيانات. – اعتماد خارطة طريق وطنية لإزالة الكربون من النقل البحري، بما يتماشى مع الالتزامات الدولية للمملكة.
كما دعت التوصيات إلى تعزيز صلاحيات مديرية الملاحة التجارية لتمكينها من قيادة المشاريع الهيكلية المقبلة، وضمان الانتقال من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ الفعلي في أفق سنة 2030.



