المغرب والمعادن الاستراتيجية.. رهانات التسليح وإعادة رسم سلاسل التوريد العالمية

اقتصاد المغرب
تكشف التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط عن أزمة أعمق بكثير مما تُظهره أسواق الطاقة. إذ تتصاعد الضغوط على المعادن الاستراتيجية الضرورية لصناعة التسليح والتحول الطاقي معاً، في ظل تسارع التنافس بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز المغرب بموروثه المنجمي وشراكاته الدولية الناشئة بوصفه طرفاً فاعلاً في إعادة رسم خرائط سلاسل التوريد العالمية.
أياً كانت مآلات الصراع الدائر، فإن الطلب على المعادن الاستراتيجية مرشح للارتفاع في كلا الاتجاهين. سيناريو وقف إطلاق النار يعني أن الولايات المتحدة ستسارع إلى تجديد مخزوناتها من الأسلحة والبطاريات. أما استمرار النزاع، فسيُطلق سباق تسلح تُغذيه معظم القوى الكبرى. والمفارقة أن المعادن التي يحتاجها هذا السباق هي ذاتها المعادن التي تقوم عليها منظومة التحول الطاقي. منذ مطلع عام 2026، باتت أسواق المعادن تحت ضغط مستمر جراء حدة التنافس الصيني الأمريكي، والتوترات الراهنة في الشرق الأوسط ليست سوى عامل إضافي يُعمّق هذه الضغوط.
الفضة.. معدن لا غنى عنه في الحرب الحديثة
تتصدر الفضة قائمة المعادن الأكثر تأثراً بالمستجدات الجيوسياسية. بلغ سعرها 100 دولار للأوقية في مطلع عام 2026، قبل أن يتراجع إلى نحو 89 دولاراً حالياً، وإن ظل في منحى تصاعدي منذ اندلاع الأزمة. وتُشير تحليلات السوق إلى احتمال تجاوز سعرها عتبة 120 دولاراً، بل تُرجّح بعض التقديرات بلوغه 170 دولاراً للأوقية.
يستمد هذا الضغط الصعودي دفعه من اتجاهين متزامنين: مكانة الفضة بوصفها ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب، وتصاعد استخدامها الصناعي في التحول الطاقي والصناعات الدفاعية على حد سواء. فهذا المعدن يدخل بشكل أساسي في تصنيع أشباه الموصلات المُجهّزة للصواريخ والرادارات والطائرات والطائرات المسيّرة. ويُعدّ صاروخ توماهوك الأمريكي نموذجاً صريحاً على منظومات تعتمد الفضة في تركيبتها بصورة لا بديل عنها حتى الآن.
يحتل المغرب مكانة محورية في هذا السياق بوصفه أول منتج للفضة في إفريقيا. وتتركز هذه المكانة في منجمَين رئيسيَّين: منجم إميتر التابع لمجموعة مناجم بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 141 طناً سنوياً، ومنجم زكندر الذي تشغله الشركة الكندية Aya Gold and Silver بإنتاج يقارب 136 طناً، بعد أن نجح هذا العام في مضاعفة الطاقة الإنتاجية المغربية. والجدير بالإشارة أن المناجم المغربية تستخرج الفضة بوصفها منتجاً رئيسياً، في حين يأتي معظم الإنتاج العالمي كناتج ثانوي لاستخراج النحاس والرصاص والزنك.
النحاس.. شريان الصناعة العسكرية
يحتل النحاس موقعاً محورياً في الاقتصاد العالمي لدوره الحاسم في منظومة الكهربة الشاملة. وقبل الأزمة الأخيرة، كانت الأسواق تعاني أصلاً من شح في الإمدادات إثر تراجع الإنتاج في كبرى المناجم. وتتداول البورصة اللندنية للمعادن حالياً أسعاره حول مستوى 13.000 دولار للطن، فيما كان السعر يتحرك في معظم عام 2025 دون عتبة 10.000 دولار خلال الأشهر التسعة الأولى، قبل أن يرتفع تدريجياً منذ أكتوبر 2025.
وإن كان الصراع في الشرق الأوسط لم يُفضِ حتى الآن إلى تداعيات مباشرة على سعر النحاس، فإن توازن السوق يبقى هشاً. وقد صنّف حلف الناتو النحاس ضمن المعادن ذات الأثر الاستراتيجي البالغ في الصناعة العسكرية مع احتمال متوسط لاضطرابات العرض. يدخل هذا المعدن في تصنيع طيف واسع من المنظومات العسكرية، من الدوائر الإلكترونية والرادارات ذات المسح الإلكتروني إلى أجهزة التعريف القتالي وأنظمة الملاحة القصورية ورؤوس الصواريخ.
ثروات معدنية في انتظار الاستثمار
يمتلك المغرب رصيداً من المعادن الاستراتيجية الكامنة التي لم تُستثمر بعد في قطاع الصناعات الدفاعية، تشمل الليثيوم في موقع بئر الماء، والأنتيموان في محيط أولاد زيم، والغرافيت قرب مراكش، والتربة النادرة في الأقاليم الجنوبية، والنيكل في محيط الخميسات.
ويحظى الغرافيت باهتمام خاص في هذا السياق، إذ يدخل في مكونات حيوية كخلايا الطيران وأنظمة الدفع والإلكترونيات المدمجة في حاملات الطائرات والغواصات والدبابات والمركبات المدرعة. وأي اضطراب في توريده سيكون بالغ الأثر نظراً لتعدد تطبيقاته العسكرية.
شراكة مغربية أمريكية في معادن الدفاع
قُبيل انخراط واشنطن في الأزمة، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة VAULT، وهي احتياطي استراتيجي للمعادن الحيوية بتمويل أولي قدره 12 مليار دولار، يهدف إلى تأمين سلاسل التوريد وتقليص الاعتماد على المعادن الصينية.
في هذا الإطار، وقّعت الولايات المتحدة والمغرب في 4 فبراير بواشنطن اتفاقية إطار ثنائية للتعاون في مجال المعادن الحيوية، على هامش المؤتمر الوزاري للمعادن الحيوية لعام 2026 الذي ترأسه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. ومن أبرز المشاريع المُجسِّدة لهذه الشراكة، مشروع Sondiale في إقليم طانطان جنوب المغرب، الذي تحمله شركة Green Power Morocco ويستهدف إنتاج البولي سيليكون عالي النقاء. وهي مادة أساسية في تصنيع المعالجات الدقيقة المُستخدمة في التقنيات العسكرية والذكاء الاصطناعي التطبيقي. وقد رُصد للمشروع تمويل يبلغ 800 مليون دولار تُساهم فيه جزئياً مؤسسة التمويل الدولية الأمريكية للتنمية (DFC).



