الذكاء الاصطناعي وسوق الشغل في المغرب: 1.5 مليون وظيفة أمام تحول مهني عميق بحلول 2030

اقتصاد الشرق
يتجه سوق الشغل في المغرب نحو مرحلة إعادة هيكلة واسعة تحت وطأة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. فوفق تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، فإن نحو 4.6 ملايين وظيفة ستكون معنية بهذا التحول بدرجات متفاوتة خلال السنوات الخمس المقبلة، في مشهد يعكس إعادة رسم عميقة لبنية التشغيل في البلاد.
غير أن التقرير يميّز بدقة بين مستويين من التأثير. فمن جهة، ثمة 1.5 مليون وظيفة ستخضع لضغط تحويلي مرتفع، يمس جوهر طريقة إنجاز المهام. ومن جهة أخرى، ستشهد 3.1 ملايين وظيفة تغيرات تدريجية في طبيعتها ومحتواها المهني دون أن تزول. وفي المقابل، يُتوقع ظهور نحو 180 ألف وظيفة جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
قطاعات في قلب التحول
تبرز قطاعات البنوك والتأمين والخدمات الخارجية بوصفها الأكثر تأثراً في المدى المنظور. إذ يُتوقع أن تنتقل الأدوار فيها من التنفيذ المباشر للمهام نحو الإشراف والتدقيق والتنسيق، مع تراجع الحاجة إلى المعالجة الإدارية التقليدية.
كما يُشير التقرير إلى أن وظائف الدخول إلى سوق الشغل ستكون من الفئات الأكثر هشاشة أمام هذا التحول، نتيجة تغير متطلبات المهارات المطلوبة. وهو ما يضع منظومة التكوين المهني أمام استحقاق عاجل لمواكبة تسارع التحول الرقمي.
ويرى التقرير أيضاً أن الاقتصاد غير المهيكل يمثل مجالاً واسعاً لإدماج الرقمنة، وأن تحويله تدريجياً إلى رافعة للنمو مرهون بوضع سياسات عمومية موجهة تعيد هيكلته وتدمجه في المنظومة الرسمية.
2026-2030: مرحلة فاصلة
يحذر التقرير من أن الفترة الممتدة بين 2026 و2030 ستكون مرحلة فاصلة، يتسارع فيها التحول التكنولوجي بوتيرة قد تتجاوز قدرة الاستجابة المؤسساتية. لذا يدعو إلى بناء بنية رقمية متينة وقدرات مؤسساتية قادرة على استيعاب هذا التغيير دون توليد صدمات اجتماعية أو اقتصادية.
وعلى أفق أبعد، تحديداً في ما بعد 2035، يُتوقع أن يدخل سوق الشغل مرحلة أشد تعقيداً مع توسع استخدام الروبوتات في عدد من المهام، مما قد يعمّق التحديات المرتبطة بإعادة التأهيل المهني وإعادة توزيع القوى العاملة.
توصيات بين السيادة الرقمية والعدالة المهنية
على صعيد التوصيات، يدعو التقرير إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية تراعي خصوصيات السوق المغربي، محذراً من أن الاعتماد الكلي على الحلول التكنولوجية الأجنبية قد يُفضي إلى تسرب جزء من القيمة المضافة لصالح الشركات الأجنبية المزودة للتكنولوجيا.
ويوصي التقرير أيضاً بتعزيز دور مراصد سوق الشغل في إطار “المغرب الرقمي 2030″، لتتبع التحولات المهنية بشكل آني يُمكّن من توجيه السياسات العمومية على أسس معطيات دقيقة ومحدّثة.
ولا يُغفل التقرير البعد الاجتماعي للمسألة، إذ يشدد على ضرورة إدماج مقاربة النوع في سياسات إعادة التأهيل المهني، لا سيما في القطاعات التي تُشكل فيها النساء نسبة وازنة من اليد العاملة، حتى لا يتحول التحول الرقمي إلى عامل يُعمّق الفوارق القائمة داخل سوق الشغل.
كما يُطالب بوضع أطر قانونية تُنظّم استخدام الخوارزميات في عمليات التوظيف والتقييم المهني، مع التأكيد على إبقاء إشراف بشري فعلي على القرارات ذات الأثر الاجتماعي المباشر.
في خلاصته، يُقدّم التقرير رسالة واضحة: التحدي الحقيقي أمام المغرب لا يكمن في حجم التحول التكنولوجي بقدر ما يكمن في سرعة التكيف معه، عبر جعل التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني ركيزتين دائمتين لضمان استقرار سوق الشغل خلال العقد القادم.



