وطنية

تيك توك والهدايا الافتراضية: كيف يتحول المحتوى الرقمي إلى غسيل للأموال؟

اقتصاد المغرب

خلف واجهة الكرم الرقمي التي تبدو عليها “الهدايا الافتراضية” على منصة تيك توك، تتشكّل أحياناً آليات مالية بالغة التعقيد. ومع توسّع منظومة تحقيق الدخل للمبدعين الرقميين، بات غسيل الأموال عبر هدايا البث المباشر يستأثر باهتمام متزايد من خبراء القانون والمالية. المحامية مريم برادة شرحت لمنبر “ميدياس24” تفاصيل هذه الظاهرة التي تتقاطع فيها الاقتصاد الرقمي وتشريعات الصرف والجريمة المالية.

دورة من ثلاث مراحل

يرتكز النظام على الاقتصاد الداخلي لتيك توك، القائم على شراء “كوينز” (عملات افتراضية) قابلة للتحويل إلى هدايا ثم إلى أموال حقيقية. وتستعيد هذه الآلية، وفق تحليل المحامية برادة، المراحل الثلاث الكلاسيكية لغسيل الأموال: الإيداع، إذ تُضخّ أموال غير مشروعة لشراء كميات كبيرة من العملات الافتراضية، غالباً عبر بطاقات بنكية مسروقة أو احتيال مالي. ثم التمويه، حيث تُوزَّع هذه العملات على شكل هدايا خلال البث المباشر، مما يخلط بين الأموال النظيفة والمشبوهة في تدفق يصعب تتبّعه. وأخيراً الإدماج، إذ يحوّل المستفيدون الهدايا إلى “دايموندز” ثم يسحبونها نقداً عبر وسطاء كـ PayPal أو حسابات بنكية.

وتلخّص برادة هذه الآلية بالقول إن “الأموال تخرج في صورة مشروعة، إذ تُقدَّم باعتبارها دخلاً من إنتاج المحتوى”.

بث مباشر بلا محتوى.. لكن بهدايا وفيرة

في المغرب كما في غيره، تستقطب بعض البثوث المباشرة الانتباه: ساعات متواصلة دون مضمون حقيقي، شاشة سوداء أو صمت تام، مع تدفق غير مبرر من الهدايا. وتعدّ المحامية هذه المؤشرات دلائل اشتباه واضحة، كحسابات ذات متابعة محدودة تتلقى مبالغ طائلة، أو غياب أي تناسب بين عدد المشاهدين والعائدات المالية. وفي بعض الحالات يكون صاحب الحساب شريكاً في العملية مقابل عمولة، وفي حالات أخرى يتحوّل إلى أداة لاشعورية في منظومة الغسيل.

وكالات المواهب: دور محوري وملتبس

تتكرر في أكثر المخططات تطوراً حلقة واحدة، هي وكالات المواهب، كثير منها مقيم في الخارج كدبي وتركيا وأوروبا. ظاهرياً، تدّعي مرافقة المبدعين، لكنها قد تعمل فعلياً كمنصات لعبور الأموال. وتصف برادة عدة ممارسات مثيرة للقلق، منها: استقبال عائدات تيك توك في حسابات أجنبية، وإعادة توزيعها على المغرب عبر تحويلات مجزأة أو عملات مشفرة، بل إن بعض هذه الوكالات تشتري بنفسها عملات افتراضية لصالح مبدعيها، مما يُنشئ دائرة مغلقة من الغسيل المالي.

ترسانة قانونية أمام تحديات رقمية

يمتلك المغرب منظومة تشريعية لمكافحة غسيل الأموال، تتمثل أساساً في القانون رقم 43.05 المعدَّل بالقانون رقم 12-18. غير أن تيك توك تُدخل تعقيدات جديدة. فتتبّع مصدر المدفوعات يظل أمراً عسيراً حين تمر المعاملات عبر الخارج، حتى وإن طبّقت المنصة إجراءات التحقق من هوية المستخدمين. وتُشير برادة إلى أن الهيئة الوطنية للمعلومات المالية (ANRF) ترصد التدفقات غير الاعتيادية، وأن المؤثر الذي يتلقى تحويلات منتظمة من منصات أجنبية قد يكون موضع إخطار بالاشتباه.

وتُحذّر المحامية من أن العقوبات صارمة في حال ثبوت التورط، إذ تشمل السجن وتجميد الأصول. لكن في الغالب، يظل الخطر الأكبر على صعيد تشريعات الصرف. فعائدات تيك توك تُعدّ قانونياً تصديراً لخدمات رقمية، وتستوجب إعادتها إلى المغرب في أجل يتراوح بين 30 و90 يوماً مع الإفصاح عنها. وكثير من الممارسات الشائعة كإبقاء الأموال في محافظ PayPal أو استيفائها نقداً عبر قنوات غير رسمية تُشكّل مخالفات صريحة.

وتُنبّه برادة: “كثيرون يظنون أن الأموال ما دامت في محفظة رقمية فهي ليست في المغرب. هذا خطأ. السلطات تتقاطع الآن البيانات البنكية على المستوى الدولي”.

عقوبات مزدوجة وتصاعد الرقابة

عند المراقبة، تكون التبعات وخيمة: غرامات تبلغ ستة أضعاف قيمة المخالفة، عقوبات سجن من 3 أشهر إلى 5 سنوات، إضافة إلى مراجعة ضريبية تلقائية. ويُفضي تزامن هذه العقوبات إلى ما وصفته برادة بـ”العقوبة المزدوجة”.

في المقابل، تشدّد المؤسسات المالية الوسيطة رقابتها، عبر سقف أدنى للسحوبات وتجميد التحويلات المشبوهة وطلب وثائق إثبات مفصّلة. وتُشير برادة إلى أن بعض البنوك المغربية باتت تشترط إثبات المسار الكامل للأموال قبل الإيداع.

وتُوصي المحامية المؤثرين بالتوثيق الدقيق لكل دخل، والفصل بين الحسابات الشخصية والمهنية، واحترام قواعد الصرف، فضلاً عن رفض أي اقتراح مريب والاحتفاظ بإثباتات التواصل لمواجهة أي محاولة للتورط في عمليات الغسيل.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *