المغرب وعجز احتياطي المحروقات.. خمسة عشر عاماً من الفجوة بين القانون والواقع

اقتصاد المغرب
الاحتياطي الاستراتيجي للمحروقات في المغرب لم يبلغ يوماً العتبة القانونية المحددة في ستين يوماً من الاستهلاك، رغم مرور خمسة عشر عاماً على اعتماد الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009. وفي مارس 2026، مع تجاوز سعر برميل خام برنت حاجز 100 دولار في أعقاب التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، واقتراب أسعار الغازوال في السوق الدولية من 1100 دولار للطن، تعود هذه الفجوة المزمنة إلى الواجهة بحدة متجددة، كاشفةً عن اختلالات هيكلية تتجاوز البُعد التقني لتطرح أسئلة جوهرية حول الحوكمة والسيادة الطاقية.
طاقة تخزين موجودة لكن فارغة
تكشف أرقام وزارة الانتقال الطاقي عن مفارقة لافتة: الطاقة التخزينية المُركَّبة متوفرة، لكنها غير مستغلة. فخلال عرضها للميزانية القطاعية في نونبر 2025، أفادت وزيرة الطاقة ليلى بنعلي بأن المغرب يتوفر على طاقة تخزين تعادل 100 يوم للبنزين، و76 يوماً للغازوال، و67 يوماً للفيول. غير أن ثلاثة منتجات أخرى تبقى دون العتبة القانونية، إذ لا يتجاوز الكيروسين 58 يوماً، والبوتان 55 يوماً، والبروبان 29 يوماً فحسب.
والمشكلة أعمق من مجرد نقص في البنية التحتية. ففي غياب أي التزام قانوني بمعدلات الامتلاء وأي عقوبات فعلية، تبقى الخزانات الفارغة مجرد صفيح بلا قيمة تشغيلية.
إطار قانوني معطّل
يمتلك المغرب منذ 1973 ظهيراً يُنظّم استيراد المحروقات وتخزينها وتوزيعها، ثم جاء القانون 67-15 في مارس 2016 ليُكرّس على الورق جملة من الالتزامات الجديدة، من بينها اشتراط طاقة تخزين كافية لدى كل مستورد، وإلزامية التدقيق الأمني، وعقوبات قد تصل إلى سحب رخصة الاستغلال.
لكن المجلس الأعلى للحسابات وثّق في تقريره الصادر في دجنبر 2016 أن غرامة عدم الالتزام بمخزون الأمان المحددة في 5 دراهم للمتر المكعب، والمُقرّرة منذ 1973، لم تُطبَّق قط على أي مشغّل. وأبدى مجلس المنافسة بدوره في رأيه الصادر في شتنبر 2022 استغرابه الصريح من أن القانون 67-15 لم يدخل حيز التنفيذ بعد سبع سنوات من صدوره. وقد انتظر المغرب حتى فبراير 2024 لاعتماد أول مرسوم تطبيقي للقانون، أي ثماني سنوات كاملة بعد إصداره، في حين تظل مراسيم تطبيقية إضافية معلّقة حتى اللحظة. والنتيجة الصارخة: تحرير الأسعار دخل حيز التنفيذ في أول دجنبر 2015 فور إقراره، فيما النص القانوني المفترض مواكبته لا يزال منقوصاً حتى اليوم.
النموذج الاقتصادي لشركات التوزيع
لا يقتصر الإشكال على الجانب التشريعي، بل يمتد إلى المنطق الاقتصادي للقطاع. فشركات التوزيع تحقق أرباحها من هامش التوزيع لا من التخزين، مما يجعل الاحتفاظ بمخزون لستين يوماً تجميداً للرأسمال وتحمّلاً لتكاليف إضافية دون عائد مقابل. ويزداد الأمر تعقيداً حين تنخفض الأسعار الدولية بين الشراء والبيع، ما يُعرّض المشغّل لخسائر مباشرة.
وقد رصد مجلس المنافسة في آخر تقاريره ارتفاع الهامش الإجمالي لكبار موزعي الغازوال إلى 1.48 درهم للتر خلال الربع الثالث من 2025. وتتمركز 68% من واردات المحروقات و61% من طاقة التخزين بين يدي أربعة مشغّلين رئيسيين، وهم أفريقيا SMDC وتوتال إنرجيز وفيفو إنرجي وبيتروم. وقد تعهد هؤلاء أمام لجنة تقصّي برلمانية في ماي 2018 بضخ 10 مليارات درهم خلال خمس سنوات للبلوغ عتبة الستين يوماً بحلول 2022. وفي الواقع، رصد مجلس المنافسة استثمارات سنوية إجمالية بـ789 مليون درهم لدى ثلاثة منهم، مع ارتفاع في الطاقة التخزينية من 1.48 مليون متر مكعب عام 2015 إلى 3 ملايين عام 2024، دون أن يُترجَم ذلك إلى معدلات امتلاء فعلية تعكس مخزوناً حقيقياً.
سامير.. رمز التناقضات
تختزل قضية مصفاة سامير جوهر الإشكالية. فمع إغلاقها في غشت 2015، فقد المغرب دفعة واحدة ما يعادل 22 يوماً من مخزون الغازوال، و30 يوماً من الكيروسين، و54 يوماً من الفيول، فضلاً عن مصفاته الوحيدة النشيطة. وبذلك أصبح المغرب الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا الخالية من مصفاة وطنية.
وعلى إثر قرار محكمة التجارة بكازابلانكا في يونيو 2020 باستعمال طاقة التخزين لدى سامير، كُلّف المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن بالملف بهدف بناء احتياطي يغطي ستين يوماً. وكانت الظروف مواتية بامتياز، مع برميل نفط لم يتجاوز 20 دولاراً، وأسعار مكررات في حدود 200 دولار. غير أن التراخيص اللازمة لم تُمنح قط، ولم يُوقَّع العقد مع السنديك. وفي أكتوبر 2021 طلب السنديك إلغاء القرار القضائي، ليفتح الطريق أمام منح حق الاستغلال لشركة BGI Petroleum تحت علامة “يوم”، التي لا تشغّل سوى 80 ألف متر مكعب من أصل 1.8 مليون متر مكعب متاحة، أي ما لا يتجاوز 4% من الطاقة الإجمالية، وحصراً لتزويد محطاتها الخاصة بالغازوال. ومنذ عشر سنوات على إغلاق المصفاة، تبقى 96% من خزانات سامير فارغة.
أزمة فبراير 2026.. الكشف المُؤلم
أماطت أزمة فبراير 2026 اللثامَ عن وهاشة أخرى يُخفيها الرقم الإجمالي للطاقة التخزينية: فـ90% من طاقة التخزين في المنتجات السائلة و91% من طاقة تخزين الغاز المسال متمركزة حول الموانئ. ويتركز 70% من مجموع هذه الطاقة على محورَي المحمدية وجرف الأصفر فحسب، وهما نقطتا ارتكاز أطلسيتان كثيراً ما تتعطلان بسبب الأحوال المناخية. وقد أثبتت أسبوعان من إغلاق الموانئ أن هشاشة هذا التوزيع الجغرافي كافية لتحريض على تقنين التموين في مناطق الداخل.
وفي السادس من فبراير 2026، صدر قرار NOTAM يُقيّد تموين الوقود الجوي في جميع مطارات المملكة، ويُلزم شركات الطيران بالانطلاق بوقود كافٍ للرحلة ذهاباً وإياباً. ولم تُرفع القيود إلا بعد ثلاثة أيام، حين رسا خامد سفينة محملة بنحو 35 ألف طن من الكيروسين ظلت راسية قبالة الشاطئ طوال خمسة عشر يوماً. الأزمة لم تدم سوى اثنتين وسبعين ساعة، لكنها قالت كل شيء.
الأسئلة التي تبحث عن إجابة
أفضى هذا الواقع إلى وضع يمكن تلخيصه في سؤال جوهري واحد: متى سيقرر المغرب أن أمن التموين في المحروقات لا يمكن إسناده كلياً إلى منطق الربحية الخاصة؟
يُقدّر مسؤول نقابي في القطاع أن كل ارتفاع بعشرة دولارات في سعر البرميل يُضيف نحو درهم واحد على سعر لتر الغازوال. ومع ارتفاع أسعار خام برنت بما يناهز 49% خلال شهر واحد، تتحول غياب احتياطي وطني أو صندوق تدخّل حقيقي إلى ضغط مباشر على القدرة الشرائية للأسر والقدرة التنافسية للمقاولات.
ويبقى السؤال الأعمق قائماً: لماذا ظل القانون 67-15، الذي تضمّن منذ عام 2016 أدوات الضبط والمراقبة، معطّلاً على مدى سنوات رغم توالي الأزمات ومراسيم المجلس الأعلى للحسابات؟ وهو سؤال لم تُجب عنه بعد لا الحكومة ولا كبار المشغّلين ولا المشرّعون.



