أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب تتجاوز 100 درهم رغم وفرة القطيع وعودة الأمطار

اقتصاد المغرب
رغم عودة الأمطار وتحسن المراعي بعد سنوات من الجفاف، تواصل أسعار اللحوم الحمراء تجاوز حاجز 100 درهم للكيلوغرام لدى الجزارين. يأتي ذلك في وقت تشهد فيه الثروة الحيوانية الوطنية استقراراً تدريجياً، ما يطرح تساؤلات حول أسباب استمرار الأسعار المرتفعة رغم توفر العرض.
صرح رشيد بنعلي، رئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (Comader)، بأن وضعية المربين حالياً جيدة. “هناك ماء، هناك مراعٍ، المربون بحال جيدة اليوم، الوضع ممتاز”، أوضح بنعلي.
قرار إلغاء الذبح في عيد الأضحى كان حاسماً
اعتبر بنعلي أن قرار إلغاء طقوس الذبح في عيد الأضحى العام الماضي كان حاسماً. “كان قراراً ممتازاً. سمح بكسر حلقة سبع سنوات متتالية من الجفاف. توقفنا عن تقليص القطيع واستطعنا الانطلاق من جديد على أسس جيدة”.
أتاحت هذه الاستراحة أيضاً تخفيف الضغط المالي على المربين، الذين تأثروا بشدة خلال السنوات الأخيرة بالشراء المكثف للأعلاف المستوردة. “اليوم، بفضل المراعي، هم في وضع آمن لبضعة أشهر”، أضاف بنعلي.
يأسف رئيس Comader مع ذلك لعدم انعكاس هذا الوضع على أسعار اللحوم الحمراء لدى الجزارين، خاصة أن غالبية المؤشرات إيجابية.
أسعار منخفضة عند الإنتاج… لكن اللحوم باهظة للمستهلك
كان من المفترض أن يؤدي هذا التحسن في العرض منطقياً إلى انخفاض الأسعار. لكن على أرض الواقع، الحقيقة مختلفة. “كانت لدينا لحوم بأقل من 100 درهم، سواء الغنم أو البقر، لسنوات عديدة”، ذكّر رئيس Comader. “اليوم، رغم إعادة التعمير ووجود قطيع يفوق 30 مليون رأس، تستمر الأسعار في الارتفاع”.
حسب بنعلي، “سعر اللحوم الحمراء عند المزرعة منخفض للغاية. يتراوح سعر كيلوغرام اللحم الحي بين 40 و45 درهماً، ما يجب أن يعطي سعر لحم صافٍ بين 75 و80 درهماً للكيلوغرام”. وأضاف: “سابقاً، كانت هذه اللحوم تُباع بـ85 أو 90 درهماً في السوق. اليوم، نجدها بـ100 درهم، بل وأكثر. ظاهرة حتى نحن كفلاحين لا نفهمها”.
أكد الكاتب العام لتجار سوق الجملة بالدار البيضاء أن الأسعار مستقرة عموماً منذ فترة، خاصة بفضل الاستيراد من البرازيل والأورغواي.
“على مستوى المسالخ، تتراوح الأسعار بين 70 و92 درهماً للكيلوغرام من لحوم البقر. تفصيلاً، تبلغ الأسعار حوالي 70 درهماً للحوم المستوردة من البرازيل والأورغواي، بينما تتموقع اللحوم المحلية والإسبانية في الشرائح الأعلى، وتُباع بأسعار مرتفعة”.
لكن “بمجرد وصولها للمستهلك النهائي، تُعرض اللحوم بين 110 و120 درهماً للكيلوغرام. إذن، يطبق الجزارون هوامش تفوق 15 درهماً للكيلوغرام”.
أما سعر لحوم الغنم فيقارب 115 درهماً للكيلوغرام على مستوى المسالخ. بإضافة هامش أدنى قدره 10 دراهم للكيلوغرام لدى الجزارين، يصل السعر إلى 125 درهماً على الأقل للمستهلك.
مضاربة ووسطاء وعدم تنظيم السوق
رغم الإجراءات المتخذة وتحسن الإنتاج، تستمر المستويات المرتفعة للأسعار منذ قرابة سنتين. وضع يعتبره حتى المربون أنفسهم غير مفهوم.
أظهرت نتائج الإحصاء الوطني للقطيع، المعلن عنها في غشت 2025، أن القطيع الوطني بلغ أكثر من 32.8 مليون رأس، ما يعكس زيادة شاملة. لم يتوقف الوضع عن التحسن منذ ذلك الحين. يعتبره رشيد بنعلي “ممتازاً” بالنسبة للأغنام.
في المقابل، سُجل انخفاض في الأبقار والإبل خلال الإحصاء. بالنسبة للأبقار، بلغ القطيع مليوني رأس، بينما يتراوح المتوسط المعتاد بين 3 و3.2 ملايين. وضع يفسر بطول دورة التكاثر. “البقر ليس كالغنم”، أكد بنعلي. “الحمل أبطأ، ما يجعل إعادة التكوين تستغرق وقتاً أطول”.
بالنسبة للمهنيين في القطاع، أسباب استمرار الأسعار المرتفعة معروفة ومتكررة. “يعود هذا الوضع بشكل خاص إلى تعدد الوسطاء والمضاربة وعدم تنظيم دائرة التسويق”. وأضافوا: “يُباع الماشية عدة مرات قبل الوصول إلى سوق الجملة، ما يضخم الأسعار بشكل مصطنع. الهوامش المطبقة مرتفعة، رغم الأسعار المنخفضة في المزارع”.
يضاف إلى ذلك “نقص التنظيم الهيكلي لأسواق الجملة”. غياب شهادات ولادة ووفاة الماشية ونقص تنظيم واضح يؤطر كامل المسار من بين الثغرات التي تغذي المضاربة.
فيما يخص الأغنام، الوفرة حقيقية، لكن المربين يفضلون حالياً الاحتفاظ بقطعانهم تحسباً لعيد الأضحى. “يحتفظ المربون بحيواناتهم للاستفادة من الدعم الوزاري والظروف المناخية الجيدة التي خفضت تكاليف التربية، ويتوقعون بذلك أرباحاً أفضل”، وفق مصادر مهنية.
وضع غير طبيعي يتطلب إجراءات عاجلة
في المحصلة، يكشف استمرار الأسعار المرتفعة للحوم الحمراء، رغم سياق فلاحي مناسب وإجراءات عمومية طموحة، عن خلل عميق في السوق.
وضع يُعتبر غير طبيعي، يضر مباشرة بالمستهلك النهائي دون أن يستفيد المربون منه بالكامل.
بالنسبة للمهنيين، بات إصلاح هيكلي لدائرة التسويق، وتنظيم أفضل لأسواق الجملة، وتأطير صارم للوسطاء من الأولويات. وإلا، فإن الجهود المبذولة لإعادة تكوين القطيع قد لا تترجم أبداً إلى استقرار حقيقي للأسعار.



