خدمات ما بعد البيع بالمغرب: فجوة بين النصوص القانونية والواقع

اقتصاد المغرب
يشكل خدمات ما بعد البيع في المغرب فجوة واضحة بين الإطار القانوني المحدد والتطبيق الفعلي على أرض الواقع، ما يضع المستهلك في موقف صعب رغم وجود قوانين واضحة تحمي حقوقه. في بيئة اقتصادية تنافسية، تحول خدمات ما بعد البيع من مجرد وظيفة للإصلاح إلى عامل حاسم في بناء الثقة وتعزيز ولاء العملاء، لكن الواقع المغربي لا يزال بعيدًا عن هذه المعايير.
تؤكد الدراسات الدولية أن تجربة العميل أصبحت عامل تمييز استراتيجي. خدمة ما بعد البيع الفعالة قادرة على تحويل عملية شراء عادية إلى علاقة دائمة، وبناء الثقة وتعزيز الولاء. في المقابل، يؤدي ضعف الخدمة إلى الإضرار بسمعة العلامة التجارية وتغذية استياء ينتشر بسرعة، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
إطار قانوني موجود لكن غير مطبق
في المغرب، بدأت هذه الحقيقة تفرض نفسها في الخطابات، لكنها تتقدم ببطء أكبر في الممارسات. رغم التقدم المحرز في السنوات الأخيرة، يبقى وضع المستهلك دون المعايير المتوقعة، سواء على المستوى التنظيمي أو في ثقافة الشركات. الإطار القانوني واضح، إذ يحدد القانون 31-08 المتعلق بحماية المستهلك بدقة الحقوق والالتزامات التي تنظم العلاقة بين البائع والمشتري، لا سيما في ما يتعلق بالضمان وسلامة المنتجات.
يوضح وادي مديح، رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات المستهلك (FNAC)، أن الضمان القانوني محدد بسنتين، سواء تعلق الأمر بسلعة منقولة أو عقارية. هذه المدة إلزامية ولا يمكن التفاوض عليها تعاقديًا. يمكن إضافة ضمانات اتفاقية إلى هذا الضمان القانوني، تُحدد بالاتفاق بين الطرفين، خاصة في قطاعات مثل السيارات والأجهزة المنزلية. يجب أن تكون هذه الضمانات الإضافية موضوع عقد منفصل، يتوافق مع الأحكام التنظيمية والعقد النموذجي الذي وضعته وزارة التجارة والصناعة.
لكن في الواقع، تبقى هذه الضمانات الاتفاقية هامشية. يأسف مديح قائلاً: “على عكس دول أخرى، لا يقدم أي مورد تقريبًا في المغرب الضمان الاتفاقي”. رغم ذلك، يقدم هذا النظام مزايا حقيقية للمستهلك. إلى هذا الخلط بين الضمان وخدمة ما بعد البيع، يضاف سوء فهم آخر أساسي. تشكل خدمات ما بعد البيع عقدًا مستقلاً، منفصلاً عن الضمان، يحدد شروط التكفل، ومواعيد التدخل، والمسؤوليات المتبادلة، والتزامات التواصل مع العميل.
في هذا المجال، الإخلالات عديدة. يشير المدافع عن حقوق المستهلكين إلى أن العديد من الموردين لا يحترمون الإطار القانوني بشكل صحيح. القطاعات الأكثر تعرضًا للشكاوى هي الهاتف، والأجهزة المنزلية، والسيارات. الأمثلة كثيرة: بيع سيارات جديدة خضعت لإصلاحات دون إعلام العميل مسبقًا، تسليم سيارات متضررة كأنها جديدة، مواعيد إصلاح لا نهائية، عدم إعلام المستهلك بحقوقه.
يؤكد وادي مديح: “خدمات ما بعد البيع في المغرب لا تستجيب للمعايير ولا للمتطلبات التنظيمية. القانون مصمم بشكل جيد، لكنه غير مطبق بما يكفي، بسبب نقص الرقابة الفعلية من السلطات المختصة. يتفاقم الوضع بغياب التواصل والإعلان. يجب إعلام العميل بكل إجراء تتخذه المؤسسة التجارية حتى يعرف حقوقه بدقة”.
نقص الإعلام والشفافية
يغذي هذا النقص في المعلومات سوء الفهم والشعور بالظلم. شهادات المستهلكين تعكس هذا الانزعاج. يُرفض طلب استرجاع المبلغ لعميل في متجر ملابس بحجة أن دفعه تم عبر بطاقة بنكية، بينما كان الدفع نقدًا سيتيح هذه الإمكانية. صحيح أن التعليمات مدونة في ظهر الفاتورة، لكنها تبقى غير مرئية إلى حد كبير للمستهلك. تجارب أخرى مشابهة تتعلق بالدفع عن بعد، الذي غالبًا ما يكون معقدًا ومحبطًا، حتى لدى المتاجر الكبرى.
ينظم القانون هذه الحالات. حق التراجع لا ينطبق إلا في إطار التجارة الإلكترونية. استبدال المنتج ليس التزامًا قانونيًا على التاجر. لكن مرة أخرى، تبقى المسألة المركزية هي الشفافية وإعلان الشروط التعاقدية.
حتى الفاعلون الكبار في التجارة لا يُستثنون. عند سؤاله عن جودة خدمات ما بعد البيع، يعترف أحد كبار مشغلي الأثاث بأنه مع 4 ملايين عميل، الحوادث حتمية. حجة يعتبرها كثير من المستهلكين شكلاً من التقليل من معاناتهم، بل نقصًا في التعاطف. يساهم هذا الموقف في إضعاف علاقة الثقة والإضرار بسمعة العلامة التجارية.
لا تكفي الشهادات والتمييزات لتبديد هذه التصورات. تستند إلى آليات تقييم، رغم أنها توفر مؤشرات مفيدة، لا يمكنها ضمان رضا كامل، خاصة عندما تتدخل عوامل خارجية مثل اللوجستيك، والنقل، أو مقدمي الخدمات التقنية في تجربة العميل.
كل تفاعل بعد البيع يشكل فرصة حاسمة لخلق قيمة علائقية، واستعادة الثقة، وتحويل عميل غير راضٍ إلى سفير للعلامة التجارية. بخلاف ذلك، يصبح العميل، بعيدًا عن أن يكون ملكًا، شاهدًا على وعد تجاري غير مكتمل.



