جهات

خريطة جديدة للنمو الاقتصادي: خمس جهات تقود التحول الإقليمي بالمغرب

اقتصاد المغرب

مع اختتام سنة 2025، تبرز خريطة جديدة للنمو الاقتصادي الإقليمي بالمغرب، حيث لم تعد الدار البيضاء أو طنجة وحدهما تحددان الإيقاع الوطني. فرضت الداخلة وفاس ومراكش ومناطق أخرى إيقاعها واستراتيجيتها ومرونتها، في سنة شهدت بروز اقتصاد مغربي لامركزي، تقوده ديناميات جهوية متمايزة لكنها متقاربة. تكشف البيانات الأحدث من المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب والمراكز الجهوية للاستثمار ومكتب الصرف عن صورة غير متوقعة للنمو المغربي، حيث أصبحت مناطق اعتُبرت طويلاً ثانوية محورية في إنتاج القيمة.

للمرة الأولى، تسجل مناطق كانت تُعد هامشية معدلات نمو بخانتين عشريتين. إذ تبقى جهة الدار البيضاء-سطات ركيزة أساسية، فيما تعرض جهة الداخلة-وادي الذهب الآن معدلات نمو بنسبة مزدوجة. تعيد فاس-مكناس موقعها الاستراتيجي كمعقل للصناعة والفلاحة المستدامة، بينما تحول مراكش-آسفي سياق ما بعد الزلزال إلى رافعة للانتعاش. أما طنجة-تطوان-الحسيمة، فتؤكد دورها كمركز صناعي بقدرة تصديرية معززة. يكشف هذا التحول عن تغيير بنيوي: لم يعد الاقتصاد المغربي يعتمد على محرك واحد، بل على مجموعة من المرحلات الجهوية عالية كثافة التنمية.

الداخلة-وادي الذهب: بروز قطب قاري جديد

بمعدل نمو للناتج الداخلي الخام الجهوي قُدر بـ10,1%، فرضت الداخلة نفسها كالمفاجأة الإقليمية لسنة 2025. ساهم التسليم الجزئي للطريق السريع تيزنيت-الداخلة (1.055 كلم) وورش ميناء الداخلة الأطلسي (12,4 مليار درهم) في رفع الجهة إلى مرتبة مركز لوجستي قاري جديد. يضاف إلى ذلك استراتيجية طموحة في الاقتصاد الأزرق حيث يمثل الصيد 60% من الناتج الداخلي المحلي، وبدايات الهيدروجين الأخضر، لنحصل على جهة في طور إعادة التشكيل الجيوستراتيجي. يتضح بسرعة دورها كرأس جسر للمغرب نحو إفريقيا.

سجل إنشاء 1.733 مقاولة خلال الأشهر الخمسة الأولى بحسب المركز الجهوي للاستثمار بالداخلة. يطمح ميناء الداخلة الأطلسي، بغلاف مالي قدره 12,4 مليار درهم، إلى تزويد الجهة بميناء في المياه العميقة، مدعوم بمنطقة صناعية متكاملة ومنصة لوجستية. على مستوى القطاعات، يمثل قطاع الصيد البحري قرابة 60% من الناتج الداخلي الجهوي، حيث ظهرت عدة وحدات للتحويل والتجميد والتصدير في 2025. أما بخصوص الطاقات المتجددة، فتجري مشاريع تجريبية مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والريحية بدعم من مستثمرين دوليين. سجلت السياحة المستدامة معدل إشغال استثنائياً في 2025، مدعومة بمشاريع فندقية راقية جديدة وارتفاع السياحة الرياضية.

فاس-مكناس: عودة معقل صناعي وفلاحي

استعادت فاس-مكناس في 2025 نفساً صناعياً ثانياً. بفضل أكثر من 16,7 مليار درهم من الاستثمارات المصادق عليها، أعادت الجهة موقعها كملتقى إنتاجي وتكنولوجي. سمحت منصة Fez Smart Factory ومشاريع التوسع في رأس الماء وإنعاش مضبوط للصناعة الغذائية بدعم نمو قُدر بـ8,9%. استفادت الجهة أيضاً من مقاولاتها الصغرى والمتوسطة الديناميكية وصناعة تقليدية في تحول، لترسيخ نمو شامل.

بلغ مبلغ المشاريع المصادق عليها من المركز الجهوي 16,7 مليار درهم في 2025 (+91% مقارنة بـ2024)، بمناصب شغل متوقعة تبلغ 16.400 منصب مباشر جديد. شهدت الصناعة ارتفاعاً بـ72% في المشاريع الصناعية المصادق عليها مقارنة بـ2024، خاصة في قطاعات الميكاترونيك والتحويل الغذائي والتغليف الذكي. عززت جامعة أوروميد وجامعة سيدي محمد بن عبد الله أقطاب البحث والحاضنات لديها، ما خلق نظاماً بيئياً أكاديمياً مواتياً للابتكار التكنولوجي.

مراكش-آسفي وجاذبية متعددة القطاعات

أكدت جهة مراكش في 2025 تموقعها ضمن المحركات الاقتصادية الأولى بالبلاد، مدفوعة باستعادة سياحية ومشاريع بنية تحتية. ساهم ورش ملعب كأس إفريقيا (5 مليارات درهم) وتوسيع المطار (3,1 مليار درهم) والارتقاء بالقطاع الفندقي في تدفق استثمارات غير مسبوق. دفعت السياحة والصناعة الغذائية واللوجستيك الجهة بنمو تجاوز 6%.

تجاوزت الاستثمارات المصادق عليها من المركز الجهوي 14 مليار درهم، واستقبلت الجهة 3,2 مليون سائح أجنبي. استثمر أكثر من 3,1 مليار درهم في تحديث مطار مراكش-المنارة لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 10 ملايين مسافر سنوياً. يقدر مشروع الملعب الجديد لكأس العالم 2030 بأكثر من 5 مليارات درهم. سجلت السياحة معدلات إشغال تجاوزت 75% في الموسم المرتفع، مؤكدة مكانة مراكش كوجهة أولى بالبلاد.

الدار البيضاء-سطات والقلب الاقتصادي

رغم بقائها القاطرة التاريخية للبلاد، استقر نمو الدار البيضاء-سطات حول 5% في 2025. تواصل هيمنتها في عدد المقاولات المحدثة (25.000 في تسعة أشهر) ومساهمتها في الناتج الداخلي الوطني (34%). لكن الجديد يكمن في إعادة تموقعها الحضري مع القطار الجهوي السريع للدار البيضاء (20 مليار درهم)، وإطلاق القطار الفائق السرعة نحو مراكش، وإعادة هيكلة المناطق الصناعية نحو أقطاب تكنولوجية أنظف ومتصلة.

يستهدف مشروع القطار الجهوي السريع، بميزانية قرابة 20 مليار درهم، تخفيف الازدحام وربط الدار البيضاء بالمحمدية ونواحيها وبرشيد. أما القطار الفائق السرعة الدار البيضاء-مراكش، بتمويل قدره 53 مليار درهم، فسيربط المدينتين في أقل من ساعة ونصف. سجلت نواحيها وسيدي برنوصي وبوسكورة أكثر من 50 مشروعاً صناعياً جديداً، بتركيز على الكيمياء والصيدلة والطيران والسيارات.

طنجة-تطوان-الحسيمة والصناعة المتصلة بالأداء

أكدت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة في 2025 مكانتها كقاطرة “صنع في المغرب”، بالجمع بين الأداء التصديري والارتقاء الصناعي والتهيئة البنيوية الموجهة نحو التحديات المستقبلية. بميناء يتجاوز 130 مليون طن من الحركة و20 مليار درهم من الاستثمارات الصناعية، تواصل الجهة دفع النمو نحو الشمال. بمعدل نمو جهوي قدره 4,9%، تبقى رائدة في السيارات واللوجستيك والتنقل الكهربائي.

عالج ميناء طنجة المتوسط أكثر من 130 مليون طن، أي أكثر من 8 ملايين حاوية. تجاوز عدد الوحدات الصناعية العاملة بالجهة 1.200 وحدة. تواصل طنجة المتوسط، كأول ميناء في إفريقيا والمتوسط، توسعها بأرصفة جديدة ومنصات لوجستية متقدمة. بلغت رينو المغرب 500.000 مركبة مصدرة سنوياً من ملوسة، مع دراسة مشاريع مرتبطة بالبطاريات والمركبات الكهربائية.

يواجه المغرب سنة 2026 بتوقعات نمو وطني قدره 3,6% بحسب المندوبية السامية للتخطيط. لم تعد المسألة المركزية تتعلق بحجم النمو فقط، بل بجودته الترابية. سيكون التحدي هو تعزيز الأداء دون توسيع الفوارق، في سياق يتطلب مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية وتثمين التراث الثقافي والطبيعي لكل جهة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *