وطنية

قطاع النسيج المغربي أمام تحدي المنصات الصينية ومستقبل الإنتاج القريب

اقتصاد المغرب

يواجه قطاع النسيج المغربي تحديات متزايدة في ظل صعود المنصات الصينية مثل Shein وTemu وAliExpress في السوق الأوروبية، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل استراتيجية الإنتاج القريب (nearshoring) التي راهن عليها الصناعيون خلال السنوات الأخيرة. هذا النموذج الذي برز خلال جائحة كورونا بفعل اضطراب سلاسل التوريد، بات يواجه ضغوطات تنافسية قد تعيد رسم خريطة الإنتاج العالمي للنسيج.

نشأ نموذج الإنتاج القريب استجابة للتوترات التي أصابت سلاسل الإمداد، ما دفع كبار الموزعين مثل Inditex وH&M إلى نقل جزء من أنشطتهم نحو دول مجاورة دون العودة الكاملة إلى الإنتاج الأوروبي. عززت الحرب في أوكرانيا هذا التوجه، حيث أدت الأزمة الطاقية إلى اتساع الفجوة في التكاليف مع الدول المنتجة للنسيج، ما دفع الموزعين إلى التخلي، على الأقل على المدى القصير، عن أي طموح للاستقلالية الإنتاجية.

المغرب يستفيد من التموقع الجغرافي

دفعت الحاجة إلى سرعة الاستجابة وتقليص المخزون إلى أدنى حد، الموردين المتوسطيين، وفي مقدمتهم المغرب، إلى الاستفادة من موقعهم الجغرافي. في 2024، بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من المنسوجات المغربية 2.9 مليار يورو، أي ما يمثل 11.6% من المشتريات الأوروبية. تعتمد هذه الدينامية على أسواق محورية، حيث تستحوذ إسبانيا وحدها على 47.7% من الصادرات النسيجية المغربية.

يستند القطاع إلى نسيج إنتاجي موجه نحو التصدير، قادر على التسليم السريع وبكميات صغيرة. يوظف القطاع 227.500 شخص في 2024، ويحقق صادرات بقيمة 4.3 مليار دولار، ويمثل حوالي 15% من الناتج الصناعي للبلاد. لكن رضوان لشكر، المستشار في الاستراتيجية الصناعية، يحذر: “المغرب يراهن على قربه اللوجستي من أوروبا لجذب الموزعين الباحثين عن السرعة، لكن هذه الميزة لم تعد تصنع الفارق”، معتبرًا أن الإنتاج القريب بات مهددًا بصعود المنصات الآسيوية.

آسيا تحافظ على الصدارة

يرى لشكر أن “الإنتاج القريب فرض نفسه منذ سنوات كخيار استراتيجي واضح لصناعة الموضة. القرب الجغرافي، تقليص المهل، خفض البصمة الكربونية، مرونة سلاسل الإمداد، كل شيء كان يصب لصالح التمركز نحو جنوب أوروبا، المتوسط والمغرب العربي”. لكنه يحذر من أن هذه القراءة تصطدم بتطور الواردات الأمريكية والأوروبية.

تشير بيانات الواردات الأمريكية من الملابس خلال الفترة من يناير إلى شتنبر 2025 إلى تراجع الصين بنسبة 29.9%، وهو تراجع يصفه لشكر بالمضلل لأنه يترافق مع إعادة توجه نحو أوروبا. في المقابل، سجلت فيتنام نموًا بـ13.7%، والهند بـ12.8%، وبنغلاديش بـ18.6%، وكمبوديا بـ28.5%. أما الدول المرتبطة تقليديًا بالإنتاج القريب فسجلت مسارات أكثر قلقًا: المغرب تراجع بـ16%، وتركيا بـ6.6%، بينما تقدمت تونس بـ8.2% ومصر بنسب إيجابية.

يفسر لشكر ذلك بالقول: “القرب الجغرافي وحده لم يعد كافيًا. آسيا تنجح في تعويض الرسوم الجمركية وارتفاع الأجور بمكاسب إنتاجية هائلة، وتكامل تكنولوجي متقدم، وتحكم كامل في الأحجام”. ويضيف أن “سيادة القطاع النسيجي المغربي لن تتحدد بعد الآن بتكلفة المنتج، بل بإتقان التكنولوجيا. العلامات المغربية يجب أن تنتقل من دور المنفذ الصناعي إلى فاعل رقمي عالمي، قادر على بيع إبداعه وتصاميمه عبر الخوارزميات والمنصات”.

الاعتماد الأوروبي على آسيا يستمر

على الصعيد الأوروبي، تسجل واردات الملابس من آسيا نموًا واضحًا. وفق إحصائيات يوروستات، حققت الصين زيادة بـ7.2%، وفيتنام بـ10.7%، والهند بـ8.8%، وبنغلاديش بـ9.5%، وكمبوديا بـ16.1%. بالنسبة للدول المتوسطية، سجل المغرب انخفاضًا طفيفًا بـ0.2% خلال نفس الفترة، فيما تراجعت تركيا بـ11.2%، وتونس بـ3.3%، بينما تميزت مصر بارتفاع 18.8%.

يؤكد الخبير أن “رغم الخطابات حول محاولات إعادة التوطين، يبقى الاعتماد الأوروبي على آسيا اعتمادًا هيكليًا”. الصين تعيد توجيه جزء من تدفقاتها نحو أوروبا لاستيعاب التباطؤ الأمريكي، ما يزيد الضغط التنافسي على أقطاب الإنتاج المتوسطية.

في سياق أوسع، تعكس هذه التقلبات التعريفية تناقضًا جوهريًا في الاقتصاد العالمي للنسيج. بينما ترفع القوى الكبرى شعار الحماية كسياسة للتجديد الصناعي، تظهر سلاسل الإمداد جمودًا بنيويًا. في الولايات المتحدة، رغم رفع الرسوم الجمركية بشكل غير مسبوق إلى حدود 18-20%، تواصل واردات الملابس النمو (+1.7% حتى نهاية شتنبر 2025)، لأن الطلب الداخلي يبقى غير متأثر بمحاولات إحياء الإنتاج المحلي.

يلخص جان فرانسوا ليمانتور، الخبير المعروف في قطاع النسيج دوليًا، الوضع قائلاً: “السياسة الحمائية التي أقرها دونالد ترامب هذه السنة لا تبدو فعالة؛ صحيح أن معدل نمو الواردات يتباطأ، لكنه يبقى إيجابيًا، لأن الصناعة الأمريكية غير تنافسية لتلبية طلب هائل على ملابس منخفضة التكلفة”. انطلاقًا من هذا، لا تؤثر الحماية على جغرافيا الإنتاج بقدر ما تعيد توجيه خيارات التوريد، على حساب منافسة شديدة بين الموردين.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *