وطنية

المغرب يفقد 50 ألف منصب شغل فلاحي سنويا منذ 2000

اقتصاد المغرب

كشفت بيانات المندوبية السامية للتخطيط برسم سنة 2025 عن تراجع مستمر في حصة التشغيل الفلاحي من إجمالي التشغيل، في تحول هيكلي عميق يعكس تغيرات جوهرية في سوق الشغل المغربي. فقد انخفضت نسبة التشغيل الفلاحي من 45,1% سنة 2000 إلى 25,5% سنة 2025، أي بتراجع يقارب 20 نقطة مئوية خلال ربع قرن.

وعلى مستوى الأعداد المطلقة، تظهر الأرقام أن عدد العاملين في الفلاحة انتقل من 4.010.000 سنة 2000 إلى 2.770.000 سنة 2025، ما يعني فقدان 1.240.000 منصب شغل فلاحي. وبالتالي، بلغ معدل الخسارة السنوية الصافية في مناصب التشغيل الفلاحي حوالي 50.000 منصب سنويا خلال هذه الفترة.

مرحلتان متباينتان في التراجع

لم تكن وتيرة هذا التراجع موحدة على امتداد الفترة. ففي المرحلة الأولى، بين 2000 و2015، كانت نسبة التشغيل الفلاحي تتذبذب حول 40%، مع ميل تنازلي تدريجي. أما المرحلة الثانية، من 2016 إلى 2025، فشهدت تراجعا أكثر حدة، إذ انخفضت النسبة من حوالي 39% إلى 25,5%، أي بأزيد من 13 نقطة في عشر سنوات فقط.

ويعود هذا التحول إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. أولها تحسن إنتاجية العمل الفلاحي، حيث حافظت القيمة المضافة الفلاحية على نسبة تتراوح بين 8% و10% من القيمة المضافة الإجمالية خلال الفترة 1998-2024، رغم تراجع عدد العاملين. ويشير ذلك إلى أن القطاع بات ينتج نفس الكميات تقريبا بعدد أقل من اليد العاملة.

وساهم اعتماد تقنيات أكثر رأسمالية، وتطوير السقي، وتحسين البذور، وانخراط بعض الشعب في الأسواق الخارجية، في تقليص الحاجة إلى اليد العاملة لكل وحدة إنتاجية. كما أن التمدن، وارتفاع مستوى التعليم، والتطلعات الاجتماعية الجديدة، عززت خروج اليد العاملة من الفلاحة، خصوصا بين الشباب.

الجفاف عامل محوري منذ 2016

تختلف القراءة حسب الفترات. فبين 2000 و2015، كان تراجع حصة التشغيل الفلاحي معتدلا ومصحوبا بانخفاض في معدل البطالة، بما في ذلك في الوسط القروي، حيث انتقل من 5% إلى 4,1%. أما المرحلة التي بدأت سنة 2016، فكانت أكثر قسوة، وترافقت مع ارتفاع ملحوظ في معدل البطالة.

ويشير هذا التزامن إلى أن الموجة الثانية من تراجع التشغيل الفلاحي مرتبطة بشكل كبير بالصدمات المناخية، خصوصا موجات الجفاف المتكررة منذ 2016. فالفلاحة المغربية، المعتمدة بشكل واسع على التساقطات المطرية، تبقى عرضة مباشرة لصدمات الجفاف، التي تترجم آليا إلى تدمير مناصب الشغل وارتفاع البطالة.

انعكاسات اقتصادية مزدوجة

من الناحية الاقتصادية الكلية، لا يعتبر هذا التحول سلبيا بالضرورة. فتراجع حصة التشغيل الفلاحي يقلل من هشاشة سوق الشغل أمام الصدمات المناخية. وكلما قلّ تركز التشغيل في قطاع يعتمد على الأمطار، قلّت احتمالات ترجمة الجفاف إلى ارتفاعات مفاجئة في معدل البطالة. وبالتالي، قد يعزز تراجع التشغيل الفلاحي الاستقرار الاقتصادي الكلي.

غير أن هذا المسار يبقى مشروطا. فهو لا يكون مستداما إلا إذا تمت إعادة توجيه اليد العاملة المحررة نحو أنشطة أكثر إنتاجية واستقرارا. وفي غياب تحسين النسيج الإنتاجي خارج الفلاحة، لن تختفي الهشاشة، بل ستتحول نحو القطاع غير المهيكل، والبطالة المقنعة الحضرية، والهشاشة. وهنا تصبح مسألة التكوين والقابلية للتشغيل محورية.

من جهة أخرى، يعكس تراجع التشغيل الفلاحي انسحاب الشباب من القطاع، بفعل تدني المردودية والمخاطر المناخية. وحسب معطيات كونفدرالية فلاحي المغرب حول التشغيل القروي، يتجاوز عمر 45% من الفلاحين 55 سنة، فيما تبقى نسبة الشباب دون 35 سنة محدودة ومستمرة في التراجع. ويطرح هذا الوضع بوضوح إشكالية التجديد الجيلي في القطاع.

على المدى البعيد، قد يشكل هذا الوضع مشكلا اقتصاديا واجتماعيا في آن واحد، إذ قد يضعف القدرة الإنتاجية ذاتها، في حال لم يعوض الاستثمار في الرأسمال والتجهيزات تراجع اليد العاملة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *