وطنية

المؤثرون في المغرب: ما يجب معرفته عن الالتزامات القانونية والضريبية وعقوبات الإشهار المقنّع

اقتصاد المغرب

باتت أنشطة المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي في المغرب تشكّل سوقاً إعلانياً حقيقياً، يتجاوز حدود الترفيه الرقمي ليدخل في صميم الاقتصاد. غير أن كثيراً من هؤلاء المؤثرين يجهلون أن التسويق عبر المؤثرين يخضع بالفعل لمنظومة قانونية قائمة، حتى في غياب نص تشريعي خاص بهم.

نشاط هجين بين القانون التجاري والقانون الإشهاري

تُوضّح المحامية مريم برادة بهيئة المحامين بالدار البيضاء أن غياب تعريف قانوني صريح لمهنة “المؤثر” لا يعني أن هذا النشاط يقع خارج نطاق القانون. فمتى توافرت مقابل مادي، أو منتج مُهدى، أو توجيهات من علامة تجارية، أصبح المؤثر يؤدي خدمة إشهارية بامتياز. وتضيف: “إن كان المؤثر يبيع ظهوره وانتشاره، فهو قانونياً تاجر أو مقدّم خدمات”.

ويُعزّز هذا التوصيف المادة السادسة من مدونة التجارة المغربية، التي تعتبر كل نشاط يُمارَس بصفة اعتيادية وبهدف الربح عملاً تجارياً، مما يُلزم المؤثرين الذين يُكثرون من الشراكات ويحققون دخلاً منتظماً بالامتثال للإطار القانوني التجاري.

التزامات ضريبية لا تقبل التجاهل

يُفضي هذا التوصيف القانوني إلى جملة من الالتزامات العملية. أولها التسجيل في السجل التجاري أو اعتماد نظام المقاول الذاتي، الذي يُعدّ الخيار الأكثر شيوعاً بين أصحاب الدخل المحدود. وثانيها الخضوع للضريبة، إذ تُعامَل عائدات الشراكات باعتبارها دخلاً مهنياً خاضعاً لضريبة الدخل أو ضريبة الشركات، وفي بعض الحالات للضريبة على القيمة المضافة.

وتُحذّر المحامية من مغبة التهاون في هذا الملف: “مؤثر لم يُصرّح بمبلغ 100.000 درهم لن يدفع 30.000 درهم فحسب. فمع الغرامات وفوائد التأخير على مدى سنتين، قد تتجاوز الفاتورة 45.000 درهم”. ويُطبّق المدير العام للضرائب زيادةً بنسبة 15% عند غياب التصريح، و5% عن الشهر الأول من التأخر في الأداء، ثم 0,5% عن كل شهر إضافي.

الإشهار المُقنَّع جريمة يعاقب عليها القانون

تُشكّل الشفافية الإعلانية محوراً حساساً آخر. فالقانون رقم 31-08 المتعلق بحماية المستهلك يُلزم بالإفصاح الصريح عن الطابع التجاري لأي محتوى مدفوع الأجر. وتُؤكد برادة: “الإشارة إلى #إعلان ليست مجرد لياقة، بل التزام قانوني”. فتقديم منتج على أنه “اختيار شخصي” في حين أن صاحبه يتقاضى أجراً عليه يُعدّ تضليلاً للمستهلك وفق المادة 21 من القانون ذاته.

وتتراوح العقوبات المالية المقررة لهذه المخالفة بين 50.000 و250.000 درهم، وقد تصل إلى نصف قيمة الحملة الإعلانية حين تتجاوز هذا السقف. علاوة على ذلك، يملك القضاء صلاحية الأمر بوقف النشر فوراً أو إلزام المخالف بنشر الحكم على نفقته، وهو ما قد يُلحق أضراراً بالغة بسمعته.

وتُذكّر المحامية بأن القضاء المغربي سبق أن أصدر أحكاماً في قضايا مماثلة، من بينها قضية عام 2020 حين أصدر قضاء مراكش أحكاماً بالسجن في حق مؤثرات بتهمة النصب عبر الترويج لمنتجات وهمية على انستغرام.

عقود مكتوبة وكالات مسؤولة

في هذا الإطار، تبرز أهمية التعاقد الرسمي بين المؤثرين والعلامات التجارية. إذ تقوم كثير من الشراكات حالياً على اتفاقيات شفهية أو مراسلات غير رسمية، مما يُعرّض الطرفين لمخاطر قانونية. ويجب أن يتضمن العقد المكتوب تحديد ملكية المحتوى الفكري، ومدة استخدام صورة المؤثر، وبنود الحصرية، وتوزيع المسؤوليات في حال نزاع.

أما الوكالات المتخصصة في التسويق عبر المؤثرين، فلا تُعفيها وساطتها من المسؤولية القانونية. وتُوضّح برادة أنها “ملزمة بالتحقق من مطابقة المحتوى للقانون، وقد تتحمل مسؤولية مشتركة إن أجازت حملة مخالفة للتشريع”.

نحو إطار قانوني أكثر وضوحاً

يتباين الفقهاء حول ضرورة سن تشريع خاص بالمؤثرين. فبينما يرى فريق منهم أن النصوص الحالية كافية إن طُبِّقت بصرامة، يدعو آخرون إلى قانون مخصص يُعالج الحالات الحساسة كالترويج للمنتجات المالية أو الطبية. وتميل برادة إلى الخيار الوسط: “المغرب يكسب لو اعتمد إطاراً مرناً لكنه صريحاً، والتطبيق الصارم للقانون 31-08 وحده سيُشكّل خطوة كبرى نحو حماية المستهلك”.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *