دولية

تداعيات أزمة الشرق الأوسط على المغرب: بين الهشاشة الهيكلية والفرص الاستراتيجية

اقتصاد المغرب

تداعيات أزمة الشرق الأوسط على المغرب باتت ملموسة في أكثر من مستوى: من فاتورة الطاقة إلى سلاسل الإمداد، مروراً بمؤشرات التجارة الخارجية. ففي تقريرها الصادر في مارس 2026 تحت عنوان “آفاق التجارة العالمية والإحصاءات”، توقعت منظمة التجارة العالمية تراجع نمو تجارة البضائع دولياً إلى 1.9% خلال العام الجاري، مقارنة بـ4.6% عام 2025، وهي نسبة كانت مدفوعة في معظمها بالطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويُعزى هذا التباطؤ بصورة رئيسية إلى تداعيات النزاع في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة والخدمات اللوجستية.

صدمة الطاقة تُعيد تشكيل المشهد

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول لا يتحدث عن أزمة عابرة. يصف ما يجري بـ”تهديد جسيم”، وتقف وراء هذا الوصف أرقام صعبة: خسارة يومية تناهز 11 مليون برميل من الإنتاج، وهو رقم يتجاوز الأثر الإجمالي لصدمتَي النفط في سبعينيات القرن الماضي معاً. تضرر ما لا يقل عن 40 موقعاً للطاقة، فيما رفعت الاضطرابات في مضيق هرمز سعر برميل النفط إلى نحو 90 دولاراً في مارس 2026، لتتجاوز لاحقاً حاجز 100 دولار في الأسابيع التي تلت بدء النزاع. ومن جهتها، دعت المفوضية الأوروبية إلى مراجعة أهداف تخزين الغاز بهدف تخفيف الضغط على الأسعار.

بالنسبة للمغرب، دولة مستوردة صافية للطاقة، فإن هذا المشهد يعني مباشرة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وضغطاً تضخمياً محتملاً يصعب امتصاصه.

أداء تجاري يفوق المعدلات الإقليمية

ما تكشفه الملاحق الإحصائية لتقرير منظمة التجارة العالمية لافت. المغرب احتل المرتبة 30 عالمياً في تصنيف مستوردي البضائع خارج التجارة الأوروبية الداخلية عام 2025، بقيمة 87 مليار دولار وحصة سوقية تبلغ 0.4%، مع نمو سنوي وصل إلى 15%. وهو رقم يبدو أكثر دلالة حين يُقارن بتوقعات المنظمة لأفريقيا، التي لا تتجاوز 3.2% في سيناريو الأساس لعام 2026.

في قطاع الخدمات التجارية، حل المغرب في المرتبة 28 عالمياً بين المصدرين، بقيمة 32 مليار دولار ومعدل نمو سنوي بلغ 17%، في حين لا تتعدى التوقعات العالمية للقطاع 4.8%. هذا الفارق يعكس تحسناً في تنافسية الخدمات الرقمية والسياحة، لكنه يُبقي علامة استفهام معلقة: هل تستطيع هذه الديناميكية الصمود في وجه تباطؤ الطلب العالمي؟

الفوسفاط: ورقة في مواجهة أزمة الأسمدة

يُضاف إلى ملف الطاقة تحدٍّ آخر يتشكل في سوق الأسمدة. اضطراب طرق الشحن في منطقة الخليج يُعيق صادرات اليوريا والأمونياك، وهي مدخلات زراعية تعتمد عليها دول كبرى كالهند والبرازيل وتايلاند. في هذا السياق، يمتلك المغرب رصيداً استراتيجياً: احتياطياته من الفوسفاط وطاقته الإنتاجية في مجال الأسمدة. وإن كان تقرير منظمة التجارة العالمية يُركز على صادرات الخليج تحديداً، فإن تراجع هذه الصادرات قد يفتح هامشاً إضافياً لصادرات المغرب في سوق عالمية تُصبح فيها الأسمدة سلعة أكثر ندرة.

سيناريوان لا ثالث لهما

تضع المنظمة أمام صانعي القرار خيارين واضحَي الملامح. في سيناريو الأساس، الذي يستبعد صدمة طاقة مديدة، يُتوقع أن ينمو تجارة الخدمات العالمية 4.8%، فيما تبلغ البضائع 1.9%. أما إذا تواصل النزاع وبقيت أسعار الطاقة مرتفعة، فإن هذه النسب قد تتراجع إلى 4.1% و1.4% على التوالي.

للمغرب، الذي سجل نمواً في صادرات الخدمات بلغ 17% خلال 2025، يبقى الرهان على الحفاظ على هذا الزخم. المنظمة ترى أن ثمة هامشاً للتفاؤل إن ظلت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قوية، وهو ما قد يُفيد المغرب إذا واصل توظيف الرقمنة وبناء البنية التحتية.

الأسواق المالية في ضغط متزامن

مع انطلاق الأسبوع الرابع من النزاع، تعيش الأسواق المالية العالمية حالة من الضغط المزدوج: تراجع في البورصات وارتفاع في عائدات الديون السيادية، وذلك في ظل برميل نفط تجاوز 100 دولار. هذا المزيج يُجدد المخاوف من تضخم مُعاود، لا سيما في أوروبا وآسيا اللتين تعتمدان بصورة كبيرة على استيراد الهيدروكربونات. وفي ظل ترقب تشديد نقدي من طرف البنوك المركزية، يرتفع كلفة الدين العام في سياق تتشابك فيه الاضطرابات الجيوسياسية مع الضغوط التضخمية.

تقول المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا إن بمقدور الدول تخفيف الأعباء الاقتصادية على مواطنيها عبر تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وانتهاج سياسات تجارية يمكن التنبؤ بها. هذه الفكرة تحتل مكانة محورية في ظل عالم باتت فيه نسبة التجارة وفق مبدأ الدولة الأولى بالرعاية لا تمثل سوى 72% من إجمالي المبادلات التجارية الدولية.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *