وطنية

بنك المغرب أمام معادلة نقدية صعبة.. الحرب في الشرق الأوسط تُعقّد قرار الفائدة

اقتصاد المغرب

السياسة النقدية لبنك المغرب على المحك مع اقتراب موعد اجتماعه الدوري، في ظل مشهد داخلي يبدو هادئاً نسبياً، لكنه يواجه ضغطاً خارجياً متصاعداً تفرضه التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق النفط العالمية. فبين مؤشرات تضخم منخفضة ونمو معتدل من جهة، وصدمة طاقوية وشيكة من جهة أخرى، يجد البنك المركزي نفسه أمام خيارات محدودة وهامش مناورة ضيق.

التضخم والنمو: مؤشرات مطمئنة محلياً

سجّل مؤشر أسعار الاستهلاك في يناير 2026 تراجعاً بنسبة 0.8% على أساس سنوي، فيما انخفضت أسعار المواد الغذائية بنسبة 2.1%، ولم ترتفع المواد غير الغذائية سوى بـ0.4%. والأهم من ذلك أن التضخم الأساسي، الذي يُعدّ المؤشر الأكثر دلالة بالنسبة للبنك المركزي، ظلّ راكداً على أساس شهري وتراجع بـ1.2% على سنة. ويعني هذا، بوضوح، غياب أي ضغط تضخمي داخلي يستدعي تشديداً في السياسة النقدية.

على صعيد النمو، تتوقع المندوبية السامية للتخطيط تسارعاً طفيفاً في الناتج الداخلي الخام خلال الربع الأول من 2026، ليبلغ 4.2% بدلاً من 4% في الربع السابق، مدفوعاً بتعافي القطاع الفلاحي إثر تحسن التساقطات المطرية، وصمود قطاع الخدمات، واستمرار الطلب الداخلي. وتُشير تحقيقات الظرفية إلى توقعات إيجابية في الصناعة والبناء والخدمات والتجارة، دون أي إشارات إلى ارتفاع حاد في وتيرة النشاط.

سوق الشغل والمالية العامة: تحسن منقوص وضغط متزايد

خلق الاقتصاد الوطني 193.000 منصب شغل خلال 2025، مقابل 82.000 فقط في السنة السابقة، وهو تحسّن ملموس تقوده قطاعات الخدمات والبناء والصناعة. غير أن معدل البطالة لم يتراجع سوى من 13.3% إلى 13%، ولا يزال مرتفعاً في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات. فضلاً عن ذلك، ارتفع معدل التشغيل الناقص من 10.1% إلى 10.9%، مما يدل على أن الانتعاش الكمي لم يُترجَم بالضرورة إلى تحسّن نوعي في سوق الشغل.

أما على صعيد المالية العامة، فقد بلغ العجز الميزانياتي نهاية يناير 2026 نحو 9.6 مليار درهم، مقابل 6.9 مليار في الفترة ذاتها من العام السابق. ويعكس هذا التراجع في المداخيل العادية التي انخفضت بـ8.3%، وإن كان جزء منه مرتبطاً بتأثير قاعدة المقارنة المرتبطة بالتسوية الجبائية الطوعية التي أُجريت سنة 2025. ويبقى ارتفاع أعباء خدمة الدين عاملاً يدعو البنك المركزي إلى الحذر قبل أي تحرك في أسعار الفائدة.

الائتمان والتبادلات الخارجية: قنوات تعمل… لكن باعتدال

تُظهر الإحصاءات النقدية توسعاً في الكتلة النقدية M3 بـ10.3% في يناير 2026، في حين ارتفع الائتمان الممنوح للقطاع غير المالي بنسبة 5.3%، مدفوعاً بشكل لافت بقروض التجهيز التي قفزت بـ21.2%، مما يؤكد زخم الاستثمار. وتشير هذه المؤشرات إلى أن قناة الائتمان تؤدي دورها، وإن بوتيرة معتدلة.

في المقابل، اتسع العجز التجاري بنسبة 5.1% ليبلغ 25.5 مليار درهم نهاية يناير، في ظل تراجع الصادرات بـ2.7% واستقرار الواردات. وقد خففت الفاتورة الطاقوية من حدة هذا الضغط بفضل انخفاض بلغ 19.5%، إلا أن هذا العامل قد يتبدد بسرعة إذا تواصل ارتفاع أسعار النفط. في المقابل، وفّر قطاع الخدمات والسياحة هامشاً مريحاً، مع ارتفاع إيرادات السفر بـ19.3% لتبلغ 11.7 مليار درهم.

الحرب في الشرق الأوسط تُغيّر المعادلة

لو اقتصر التحليل على المؤشرات الداخلية وحدها، لكان تخفيض سعر الفائدة خياراً قابلاً للنقاش. لكن المعطى الجيوسياسي يُعيد رسم الصورة. فالحرب في الشرق الأوسط أحدثت اضطرابات حادة في العبور عبر مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي لجزء كبير من الإمدادات النفطية العالمية، فيما لامس سعر برميل خام برنت عتبة 100 دولار خلال التداولات الأخيرة.

والمغرب اقتصاد مفتوح تمثّل فيه الواردات أكثر من 52% من الناتج الداخلي الخام. وأي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على كلفة النقل والمدخلات الصناعية وأسعار المواد الغذائية، في مسار تضخمي يشبه ما عاشه المغرب إبان الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022.

الخيارات أمام بنك المغرب

في ضوء هذا التحليل، يبدو تخفيض سعر الفائدة خياراً مستبعداً في المرحلة الراهنة. يبقى أمام البنك المركزي خياران: الإبقاء على الوضع الراهن، أو اللجوء إلى رفع وقائي.

يظل الاستقرار في سعر الفائدة السيناريو الأرجح في الوقت الحالي. فالمؤشرات الداخلية لا تُبرر أي تشديد، والصدمة الخارجية لا تزال في طور التشكّل مع حالة من عدم اليقين حول مآلاتها. الإبقاء على السعر الحالي يُتيح للبنك المركزي الاحتفاظ بهامش تدخله ومراقبة مسار الأسعار على مدى الأسابيع المقبلة.

أما رفع الفائدة، فيبقى احتمالاً قائماً إذا تأكدت استمرارية اضطراب مضيق هرمز، أو بدأت ارتدادات التضخم المستورد تتسرب بشكل واضح إلى الأسعار المحلية، أو ظهرت مؤشرات على تأثيرات من الدرجة الثانية على توقعات الأسعار.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *