مقاولات

الخطوط الملكية المغربية: استثمار 190 مليار درهم بين الطموح والتحديات الاقتصادية

اقتصاد المغرب

يواجه قطاع النقل الجوي بالمغرب تحديات اقتصادية كبيرة رغم الاستثمارات الضخمة التي تقارب 190 مليار درهم، في وقت تطلق فيه إثيوبيا مشروع أكبر مطار في إفريقيا وتعزز فيه الخطوط الجوية الإثيوبية نموذجها الاقتصادي المربح. يراهن المغرب على توسيع البنيات التحتية المطارية وتعزيز أسطول الخطوط الملكية المغربية، في استراتيجية ترتبط بالرهان السياحي لكأس العالم 2030، لكن السؤال المحوري يبقى: هل ستكفي الزيادة في حركة النقل لضمان ربحية مستدامة في قطاع معروف بتقلباته وهوامشه الضيقة؟

استثمارات طموحة في سياق تنافسي

في يوليوز 2023، حدد العقد البرنامج المبرم بين الخطوط الملكية المغربية والدولة خارطة طريق طموحة بأفق 2037 للقطاع الجوي الوطني. في 2025، أطلقت الشركة عرضا لشراء 188 طائرة و60 محركا احتياطيا بقيمة تقدر بـ15 مليار دولار. تضاف إلى هذه القيمة استثمارات مطارية بقيمة 3.8 مليار دولار أعلن عنها المكتب الوطني للمطارات في إطار استراتيجية “مطارات 2030″، بدعم من الدولة، تشمل محطة جديدة بمطار الدار البيضاء.

تستهدف الخطوط الملكية المغربية في 2037 أسطولا من 200 طائرة مقابل خمسين حاليا، وفتح أكثر من 100 وجهة دولية جديدة و46 خطا داخليا، ونقل 31.6 مليون مسافر مقابل 7.4 مليون في 2024، وتحقيق رقم معاملات قدره 94 مليار درهم مقابل 20 مليار في 2024، بمعدل ملء مستهدف يبلغ 82% مقابل 77% في 2024. تفترض هذه الأهداف مضاعفة رقم المعاملات الحالي خمس مرات تقريبا.

يستهدف المكتب الوطني للمطارات مضاعفة الطاقة الاستيعابية للمطارات المغربية لتصل إلى 80 مليون مسافر سنويا بحلول 2030، عبر توسيع وتحديث المطارات، خاصة الدار البيضاء التي ستنتقل من 14 إلى 35 مليون مسافر، ومراكش بـ14 مليون مسافر مستهدف، وأكادير بـ4 ملايين، لتحويل المغرب إلى مركز جوي فعلي.

واقع اقتصادي يطرح تساؤلات

على الورق، أسس القطاع الجوي المغربي متينة. في 2023، حسب Oxford Economics واتحاد النقل الجوي الدولي، ولّد الطيران بما في ذلك السياحة المدعومة بالنقل الجوي 11.2 مليار دولار، أي 7.9% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفر 856,000 منصب شغل. بلغ النمو التراكمي لحركة النقل خلال العقد الأخير 68.1%، وهو إيقاع يفوق المتوسط الإفريقي، لكنه لا يزال بعيدا عن الطموحات التي تتطلب مضاعفة هذا المعدل تقريبا في خمس سنوات فقط بالانتقال من 35 مليونا في 2025 إلى 80 مليونا في 2030.

لدى الخطوط الملكية المغربية، تقوم أسسها الاقتصادية على بنية خاصة حيث 93% من حركتها دولية، و85% من تدفقاتها موجهة نحو أوروبا، ما يجعل نموذجها الاقتصادي شديد الارتباط بالدورات السياحية والاقتصادية للأسواق الأوروبية. ظهر هذا الارتباط بشكل واضح في 2020 عندما تسببت جائحة كوفيد-19 في انهيار شبه كامل لحركة النقل الجوي العالمية، ما دفع الدولة للتدخل بخطة إنقاذ بقيمة 6 مليارات درهم جمعت بين زيادة رأس المال وقرض مضمون.

هوامش ربح ضعيفة رغم التعافي

منذ ذلك الحين، تحسن الوضع المالي للخطوط الملكية المغربية دون تحول بنيوي في مستوى ربحيتها. حسب تقرير 2026 لمديرية المؤسسات والمنشآت العمومية، حققت المجموعة في 2024 رقم معاملات قدره 19.9 مليار درهم، بزيادة 1% مقارنة بـ2023. بلغ الربح الصافي 473 مليون درهم، أي هامش ربح صاف بنسبة 2.37%، وهو الأعلى خلال العقد الأخير، لكنه يبقى غير كاف مقارنة بالاستثمارات المتوقعة.

انخفضت المديونية بنسبة 21% لتصل إلى 6 مليارات درهم، بينما لم تتجاوز الاستثمارات المنجزة في 2024 سوى 291 مليون درهم. في السنة نفسها، قامت الدولة بمساهمات في رأس المال بقيمة 1.5 مليار درهم، ما يؤكد الاعتماد البنيوي للشركة على المساهم العمومي.

يمكن وضع هذا الوضع في السياق الدولي لربحية النقل الجوي. حسب أرقام اتحاد النقل الجوي الدولي لسنة 2024، كان من المتوقع أن يحقق القطاع الجوي العالمي ربحا صافيا بين 27 و30 مليار دولار، أي هامش ربح صاف قريب من 2.6%، بمتوسط ربح يتراوح بين 2.5 و3 دولارات للمسافر الواحد.

لكن هذا المتوسط يخفي فوارق إقليمية كبيرة. حسب الاتحاد، يسجل الشرق الأوسط أفضل الأداءات العالمية بهوامش ربح صافية تتراوح بين 6 و7% وربح متوسط قدره 29 دولارا للمسافر، بفضل مراكز جوية مركزة جدا وحركة عبور كثيفة وإيرادات مرتفعة للوحدة، بينما تبقى إفريقيا المنطقة الأقل ربحية في النقل الجوي العالمي، بهامش ربح صاف قريب من 1% وربح للمسافر محدود بـ1.3-1.4 دولار، بسبب إيرادات ضعيفة وتكاليف تشغيل مرتفعة واعتماد كبير على النقل الدولي المباشر.

نموذج النقل غير كاف

في هذا السياق يندرج الرهان السياحي المغربي. في 2025، ارتفعت الوفود السياحية بنسبة 18%، بفعل التعافي بعد الجائحة والتنويع النسبي للأسواق المصدرة وتأثير الأحداث الرياضية الدولية. تعزز هذه الديناميكية الطلب الجوي وتدعم استراتيجية توسع الخطوط الملكية المغربية والبنيات المطارية. لكن السؤال الأساسي يبقى: هل ستكون هذه الزيادة في حركة النقل السياحي مستدامة وكافية لجعل الاستثمارات قابلة للاستمرار اقتصاديا؟

تظهر التجربة الدولية أن زيادة حجم المسافرين لا تترجم تلقائيا إلى ارتفاع متناسب في الربحية. في حالات كثيرة، تصاحبها ضغوط متزايدة على الهوامش بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والاستثمارات الضرورية في الأسطول والبنيات التحتية والمنافسة السعرية.

المقارنة مع الخطوط الجوية الإثيوبية توضح التحليل أكثر. نقلت الشركة الإثيوبية أكثر من 17 مليون مسافر سنويا في 2024 وتعتمد على نموذج مركز عبور واضح، بنسبة 80% من المسافرين في رحلات دولية ترانزيت. طورت أيضا قطاع شحن قويا بعدة مئات آلاف الأطنان المنقولة سنويا (750,000 في 2024)، ما يسمح لها بتنويع إيراداتها. حققت رقم معاملات قدره 7 مليارات دولار في 2024 وربحا بعد الضريبة بلغ 320 مليون دولار، أي ربحية قريبة من 4.6%.

بالمقابل، يبقى المغرب سوقا يعتمد على الرحلات المباشرة، مع 9% فقط من المسافرين في عبور دولي حسب أرقام اتحاد النقل الجوي الدولي، و77,900 طن من الشحن الجوي المعالج في 2023 (95,000 طن حسب الخطوط الملكية المغربية) في 2024، وهو نموذج ينعكس على مستويات الربحية ويجعله غير كاف للعب دور استقرار في فترات الأزمات.

تحدي التنويع والشحن الجوي

بعبارة أخرى، يحاول المغرب بناء استراتيجية جوية طموحة في بيئة إقليمية قليلة الربحية بنيويا، معتمدا على نمو سياحي مستمر وتأثير أحداث دولية مثل كأس العالم 2030. هذا الرهان ليس غير منطقي، لكنه غير متوازن من حيث المخاطر والتكاليف المالية. المكاسب المحتملة منتشرة وممتدة زمنيا وتعتمد على عوامل خارجية، بينما الخسائر، في حالة صدمة، تكون فورية ومركزة على المساهم العمومي.

في هذه المرحلة، السؤال ليس ما إذا كان المغرب قادرا على زيادة حركة النقل الجوي – الديناميكية السياحية الحالية تثبت ذلك – بل ما إذا كانت هذه الزيادة ستكفي لتقريب الخطوط الملكية المغربية من مستويات الربحية المسجلة في الشرق الأوسط أو من مرجعها الإفريقي، أم أنها ستترجم أساسا إلى زيادة دائمة في تعرض ميزانية الدولة لقطاع غير مستقر تاريخيا.

ستعتمد الإجابة بدرجة أقل على عدد المسافرين المنقولين وأكثر على قدرة نموذج الخطوط الملكية المغربية على التطور نحو مزيد من التنويع والعبور والإيرادات ذات القيمة المضافة العالية، خاصة الشحن المطاري، في سماء إفريقية تشهد تكثيفا سريعا للمنافسة. سيكون هذا تحدي المستقبل.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *